تهريب البطيخ
كادت مطاردة نفذتها فرقتان من فرق مراقبة الأسواق التابعة لأمانة الرياض تتسبب في وفيات على طريق مكتظ بالسيارات وسط المدينة. ذكرتني المطاردة بأفلام ''جيمس بوند''، كان سائقا العربتين يقومان بحركات خطيرة في محاولة لإرغام سائق سيارة حوض تحمل كمية من البطيخ على التوقف. تناثر البطيخ على الطريق بسبب محاولات سائق السيارة تفادي الاصطدام بسيارات الأمانة، في النهاية فقد هذا السائق سيطرته على سيارته، واصطدم بالحاجز الخرساني في الجزيرة الوسطية.
تخيلت لو كانت المطاردة في شارع لا توجد فيه جزيرة خرسانية واندفعت السيارة باتجاه القادمين في المسار الآخر، كم سيكون عدد المصابين والخسائر. استخدم ذلك بعض مخالفي رأيي المعارض لهذه الحواجز الخرسانية لتأكيد أهمية وجود صبات خرسانية تستطيع أن توقف أي شاحنة مهما كان حجمها، بل تهلك من فيها إن كانت مسرعة. لكن ما لا يمكن أن نتقبله أو نتوقعه من أي جهاز خدمي هو الدخول في عملية مطاردة من هذا النوع لأي سبب كان، ناهيك عن محاولة إيقاف شخص يبيع البطيخ، هذا إن لم يكن البطيخ يحتوي على مواد ممنوعة كالمخدرات أو ما شابهها، لكن البلدية لا علاقة لها بمثل هذه الأمور. فالمؤكد إذاً أن المطاردة كانت بغرض منع الشخص من بيع البطيخ.
لا يحق للدوريات أن تطارد مرتكبي مخالفات كبيرة، خصوصاً إذا كان ذلك سيتسبب في أذية الآخرين، فكيف سمح هؤلاء لأنفسهم بأخذ القانون في أيديهم وفرض رغبتهم الشخصية على النظام وفي عز الظهيرة؟ وأين الجهة المسؤولة عنهم عندما تتكرر هذه السلوكيات أو ما يشابهها في مواقع أخرى وحالات مماثلة هي من البساطة وعدم الأهمية بمثل هذه؟ المزعج هو أن سيارتين كانتا تتصرفان بهذه الطريقة غير الحضارية وغير المقبولة أبداً بمشهد من الناس، يجب أن يشكر هؤلاء الله أن سائق السيارة لم يقتل نتيجة اصطدامها بالحاجز الخرساني.
أشاهد باستمرار كيف يقوم مندوبو البلديات باستفزاز الباعة على الأرصفة، وكيف يتعاملون معهم بتعسف، ثم يتركونهم عندما يحصلون على كم كاف من الترجي وإذلال الذات من قبل البائع. هذه الشخصنة والربط بين الوظيفة والتسلط على الناس منتشرة في كثير من الجهات التي أوجدت أصلاً كجهات تنظيمية يفترض أن تعمل وفق أصول مهنية ونظامية محددة، على أن الالتزام بالنظام نصاً وروحاً ضرورة للعمل العام، وهو ما قد ينساه الكثير ممن تقع تحت أيديهم مصالح وحاجات المواطن.
يلاحظ المواطن أن أسعار البضائع التي يعرضها الباعة الذين يتخذون من الأرصفة أو ساحات المساجد مقراً لبضائعهم أقل بكثير من مثيلاتها في السوق النظامية، هذا أمر يبرره عدم وجود تكاليف إضافية كالإيجار والتراخيص وغيرها. نمت هذه السوق بشكل يهدد الأسواق التي تسيطر عليها البلديات، لكنّ أحداً لم يفكر في استيعاب هذا النمط الجديد المنتشر بسرعة، من خلال تنظيمه وجعله أكثر حضارية.
يفضل الناس الحصول على متطلباتهم من هؤلاء لأسباب أخرى غير الأسعار المعقولة، فهذه المواقع موجودة في نقاط على طريقهم، ويسهل إنجاز التسوق في وقت قياسي، كما يتمتع العاملون فيها بروح المنافسة التي تجعلهم يحرصون على إرضاء الزبون. يضاف إلى ذلك توافر كل ما يحتاج إليه الزبون في موقع واحد.
هل يجب أن تحارب البلديات انتشار مثل هذه ''البسطات''، أم تنظمها؟ سؤال تسهل الإجابة عنه إذا عرفنا أن تنظيم هذه المواقع لا يكلف الكثير. وأنه يمكن أن تحقق البلديات مهمتها التنظيمية وتحافظ على جمال المدينة وتوفر الخدمات لساكنيها، أي ''نعم''!
نشاهد في كثير من المدن تنظيم مثل هذه الأسواق، بل إن بعض المدن تتميز بجمال هذه المواقع ويتوافد عليها الناس من كل مكان. الأهم في هذه القضية أمران:
الأول: أن يكون التنظيم سهل التطبيق، بحيث تكون مثل هذه المواقع قابلة للفك والتركيب والنقل. يمكن أن يُحدد لون معين ليميز كل منطقة تحوي هذه ''البسطات'' من المدينة، ويمكن كذلك أن يرخص لأصحابها بمبالغ بسيطة تتماشى مع وضع ''البسطات''، والحركة التجارية حولها. كما يجب أن توفر مواقف للسيارات بحيث لا تعوق هذه المواقع حركة السير، كما نرى اليوم في كثير من المطاعم والأسواق والمجمعات التجارية.
الآخر: أن يقتصر الترخيص للعمل في هذه المواقع على المواطنين السعوديين، وهو ما يمكن أن يركز عليه مفتشو البلدية. مشكلة الكثير من المواقع أنه يبدأ العمل فيها مواطن بسبب حاجته المادية، ويفاجأ بمن يحضر عمالته لينافس المسكين في رزقه وهو غير محتاج أصلاً، أو ينافسه أشخاص قد يكونون غير نظاميين حتى.
العبرة في النهاية بقدرة البلديات على تنفيذ مهامها وضمان سلامة المواطن وصحة البيئة ومظهر المدينة، من خلال العمل النظامي المؤسسي البعيد عن المغامرات الفردية. محاولات التضييق واستخدام وسائل غير مقبولة في التعامل مع الإشكالات لا تزيد الوضع إلا سوءاً، هذه المواقع ستبقى سواء رضينا أم أبينا، فلنحولها إلى واجهة جمالية تميز المدينة، وتوفر مصدرا للكسب المشروع لأبناء الوطن بدل الدخول في مطاردات بوليسية يمكن أن تؤدي إلى كوارث.