تدني معدلات ادخار الأسر
تتوافر في نشرة مسح الإنفاق الأسري في عام 2007، التي أصدرتها مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات بيانات قيمة عن مستويات دخول وإنفاق الأسر والأفراد في المملكة. وتفيد بيانات مسح الإنفاق الأسري في عام 2007 بأن متوسط الدخل الشهري للأسرة (سعودية وأجنبية) في المملكة بلغ 11092 ريالاً، بينما وصل متوسط إنفاق الأسرة الشهري إلى 10280 ريالاً. واستنادا إلى هذه البيانات فقد وصل متوسط ادخار الأسر الشهري إلى 812 ريالاً في عام 2007، أي نحو 7.3 في المائة من دخلها. وبلغ متوسط دخل الأسرة السعودية الشهري 14084 ريالاً، بينما كان متوسط إنفاقها الشهري 13252 ريالاً. وتوفر بذلك الأسرة السعودية في المتوسط 832 ريالاً في الشهر، أي نحو 5.9 في المائة من دخلها. ولا تتوافر في النشرة متوسطات دخول وإنفاق الأسر الأجنبية، لكن يمكن ببساطة معرفتها من خلال بيانات المسح والبيانات السكانية، حيث بلغ متوسط دخل الأسرة الأجنبية الشهري نحو 4357 ريالاً، بينما بلغ متوسط إنفاقها الشهري نحو 3592 ريالاً، أي أن الأسرة الأجنبية توفر في المتوسط نحو 795 ريالاً في الشهر أي 17.6 في المائة من دخلها. وتبدو معدلات ادخار الأسر الأجنبية مرتفعة مقارنةً بالأسر السعودية، وذلك لأن لديها حافزا أقوى للادخار وهو الذي دفعها للقدوم إلى المملكة والعمل فيها، ومع هذا تعد نسبة ادخار الأسر الأجنبية منخفضة عند مقارنتها بنسب الادخار العالمية.
ولا يمكن إنكار وجود عديد من المعضلات المتصلة بدقة بيانات الإنفاق والدخل، حيث يميل الأفراد بشكل عام إلى تقليل دخولهم ورفع مستويات استهلاكهم، لكن حتى مع وجود نسبة خطأ معقولة فإن هذه البيانات تشير إلى تدني معدلات الادخار بين كل الأسر، خصوصاً السعودية منها. ويشير انخفاض نسبة ادخار الأسر إلى تدني رغبتها بشكل عام في الادخار، وإلى ضعف وغياب آليات الادخار وانخفاض حوافزه في المملكة. وتوجد قناعات لدى جزء كبير من الأسر بانخفاض أهمية الادخار وانخفاض فاعليته في تحقيق طموحاتها.
ويقف انخفاض نسب ادخار الأسر خلف تراجع قدرات جزء كبير من السكان على الاستثمار وتطوير دخولهم وثرواتهم، خصوصاً في مجال رفع نسب حيازة الأصول بما فيها المنازل. وانخفاض نسب الادخار الأسري يرفع من درجة اعتماد معظم العائلات على التدخل الحكومي لحل بعض المعضلات، خصوصاً السكن. ولا يمكن اعتبار انخفاض معدلات ادخار الأسر جيداً في أي مكان في العالم، ولهذا ينبغي تدارك هذه الظاهرة والحد من استمرارها، وضرورة تبني آليات رفع معدلات الادخار وإيجاد برامج تشجيعية لرفع نسب الادخار العائلي. وأدى توافر الموارد المالية لدى الدولة إلى التراخي في وضع سياسات وآليات جمع المدخرات المحلية، الذي يعد مصدراً مهماً للاستثمار ورفع دخول الأسر وتنمية الاقتصاد الوطني. وقد يعود انخفاض نمو دخول الأفراد خلال العقود الماضية إلى تراجع معدلات الادخار الأسري، كما أن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والتضخم بوجه عام يعود جزئياً إلى تدني مستويات الادخار، فثقافة الادخار تحفز الأسر على خفض معدلات الاستهلاك المرتفعة التي تضغط على أسعار السلع والخدمات متسببةً بشكل جزئي في رفع معدلات التضخم.
وتعتمد الأسر بدرجة كبيرة على وسائل التوفير الذاتية في جمع مدخراتها، ولا تتوافر أمامها قنوات ادخار محلية عامة وواضحة وسليمة وآمنة ومتمتعة بقدر كبير من الثقة والمصداقية. وكان بالإمكان تطوير وسائل وآليات الادخار للأسر من خلال عديد من الآليات والسياسات سواءً في القطاع الخاص أو العام. ويلعب القطاع المصرفي، والسوق المالية، والمؤسسات الرسمية أدواراً محوريةً في تحفيز الادخار، ولا توفر هذه القطاعات في الوقت الحالي آليات الادخار المنشودة ولا تشجع عموم السكان على الادخار.
ويمكن رفع فاعلية السوق المالية في تشجيع الادخار من خلال رفع وتيرة إصلاح السوق المالية والتصدي للفساد في عمليات تداول الأوراق المالية وفي الشركات المدرجة، ودعم كل جهد يسهم في رفع معدلات العائد في السوق المالية. كما يلعب توافر السيولة لدى المصارف التجارية دوراً سلبياً تجاه تشجيع الادخار من خلال عدم مبالاتها بمدخرات القطاع الأسري وصغار العملاء بوجه عام، ولهذا تلعب السياسات النقدية والمالية التوسعية دوراً أيضاً في تراجع معدلات الادخار. ويمكن أيضاً للقطاعات الحكومية تشجيع الادخار من خلال إيجاد برامج ادخار وتحفيز المواطنين والموظفين على الادخار. فبالإمكان مثلاً إيجاد آليات ادخار عامة لموظفي الدولة والمواطنين، كما يمكن تحويل صناديق التنمية إلى مصارف تنموية تشجع المقترضين على الادخار من خلال ربط القروض الممنوحة ببرامج ادخار للمستفيدين. وسترفع برامج الادخار في حالة تبنيها من معدلات الادخار، وترفع في الوقت نفسه موارد المصارف التنموية، ما سيمكنها من توفير مزيد من الموارد لتسهيلاتها الائتمانية ويعزز معدلات النمو.