ميقاتي ومنصور يجسدان الحالة اللبنانية
سقطت خلال الفترة الماضية حكومة في ليبيا وأخرى في تونس، كان العائق الأكبر في تشكيل الحكومتين هو توزيع المقاعد، خصوصاً السيادية منها. المقاعد السيادية هي تلك التي تمثل شخصية وهيبة وحدود وسيادة الدولة. هي الوزارات التي تسيطر على العلاقة بين الحكومة والمواطن، والحكومة والدول الأخرى، وتحفظ استقلال قرار الدولة. الأكيد أن وزارة الخارجية من أهم الوزارات السيادية، إن لم تكن أهمها ''في الحالة اللبنانية على الأقل''.
في لبنان ليس هناك جيش يسيطر على كل الأرض اللبنانية، إنما تشكيلات عسكرية تعمل في المواقع التي لا تتعارض مع سيطرة ''جيش'' حزب الله، وقوات اليونيفيل التي كلفتها الأمم المتحدة بالفصل في جنوب لبنان بعد مأساة حرب 2006، التي راح ضحيتها أكثر من ألف لبناني وتجاوزت خسائرها المادية عشرة مليارات دولار وتسببت في تهجير ما يقارب مليون إنسان. إذاً فوزارة الدفاع مهما قلنا عنها فهي ليست سيادية إنما تقع تحت ضغط المسموح والممنوع من قبل حزب الله.
أما وزارة الداخلية وقوات الدرك فهي الأخرى في حالة شلل شبه كامل، فهي لا تستطيع أن تفرض سيطرتها في الجنوب لوجود قوات الحزب، وتحاول أن تفعل في الشمال، لكنها لا تستطيع لأسباب كثيرة، أهمها الشعور بالتفرقة والإحباط العام، وعدم قدرة الدولة على كسب ثقة المواطن بسبب تعاملها الفئوي والطائفي.
نخلص إلى أنه ليس هناك ما يمكن أن نعتبره أهم من وزارة الخارجية لسيادة لبنان. لكن وزير الخارجية الحالي استغل تكليفه برئاسة الوفد اللبناني إلى اجتماعات جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، وهي تحضيرية لقمة قطر القادمة. أقول استغل معالي الوزير موقعه ليعبر عن رأي حزبه في القضية السورية. رغم أن الدولة اللبنانية، وبعد دراسة مستفيضة ومتعمقة للوضع السوري قررت أن تنأى بنفسها عن اتخاذ موقف من الأزمة في سورية.
اتخذت الدولة قرارها بالنأي بالذات عن اتخاذ موقف مع أو ضد أي من المتصارعين في الثورة السورية لحماية لبنان من الآثار المباشرة وغير المباشرة، الآنية والمستقبلية. لبنان دولة صغيرة كانت تقبع تحت ما يمكن تشبيهه بالاحتلال من قبل النظام السوري وذاق الجميع ويلات التعامل البوليسي من قبل ممثلي الدولة السورية، وإن كان من خير أتى من استشهاد الرئيس رفيق الحريري فهو بالتأكيد تخلص لبنان من هذا الاحتلال البوليسي.
استمرت مجموعة من اللبنانيين الذين ينضوون تحت قرار حزب الله، في الوقوف مع النظام المجرم في سورية، ليس إيماناً بالنظام أو رغبة في بقائه إنما خوفاً من حليفهم الأكبر الذي يملك السلاح ويستطيع أن يعيث فساداً في الأرض في أي مكان من الدولة اللبنانية. هذا الحزب يقف ضد الشعب السوري ويحاربه لأسباب طائفية، وإملاءات أجنبية من مموله الرئيس ''الجمهورية الإسلامية''.
تخوف ''عون'' رئيس ما يسمى ''كتلة التغيير والإصلاح'' الذي أعلنه أخيرا من وصول جهات سنية، سواء من جبهة النصرة أو أي من الفئات الأخرى إلى سدة الحكم في سورية، أظهر بلا شك أنه يأخذ تعليماته من الحزب الذي اغتال كل أعدائه في الأرض اللبنانية، ولا ألومه في تخوفه هذا، ذلك أن كل من عارض هذا الحزب اغتيل أو فقد عزيزاً عليه بأساليب التفجير التي أصبحت معروفة وكان آخرها اغتيال رئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن الذي كان يعتمد كما غير قليل من الحرص والسرية في كل تحركاته. علاوة على أن عون حصل على مناصب وزارية لكل أقاربه، وأولهم زوج ابنته الوزير جبران باسيل.
قدمت بهذه النبذة للتأكيد على شجاعة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي الذي أمسك بزمام الرئاسة في هذا الوقت الحرج رغم انتقاد الكثيرين له، لكن لا بد من حكومة ولا بد أن يكون الرئيس من فئة تقف أمام أطماع نصر الله وحزبه ومموليه في إيران وسورية.
على أن الحزب لم يدخر جهداً في إهانة الرئيس ميقاتي، بل إن فريق 14 آذار (مارس) هم الآخرون ساهموا في إضعاف هيبة الرئيس ميقاتي من خلال النقد والسلبية التي تبنوها تجاه حكومته التي خلت من أي عضو يمثل كتلة المستقبل. حارب ميقاتي في هذه الأجواء للمحافظة على كرسي رئاسة الحكومة من العبث أو الاحتلال من قبل قوى أخرى تعارض اتفاق الطائف وتحاول أن تدمر الوجود السني في لبنان.
أبقى ميقاتي على قيم الدولة وحافظ على كيانها وحمى موقعه الرئاسي من الاستغلال والانتهاك طول مدة رئاسته، رغم أنه ابتلي بأعضاء وزارة أقل ما يمكن أن يقال عنهم إنهم أعضاء يمثلون أحزابهم، ويهتمون بمصالح فئوية وطائفية، ولا يعبأون بأحد ممن يختلفون معهم. أكد هذا التوجه أن كل وزير يذهب صباحاً ليقابل رئيس حزبه قبل أن يحضر جلسة مجلس الوزراء.. فأي حكومة هذه؟!
عندما تحدث عدنان منصور، وزير الخارجية اللبناني، باسم لبنان، كان في واقع الأمر يتحدث باسم نصر الله ويعيد إلقاء محاضرة سمعها من سيده قبل التوجه لمصر. دفع هذا السلوك رئيس الوزراء القطري إلى إسكاته ووضع الأمور في نصابها الصحيح، وأعطى الأمور أسماءها الحقيقية. ثم جاء ميقاتي ليعيد تأكيد الموقف اللبناني الذي لا يستطيع أن يقف مع فئة دون الأخرى بحكم التاريخ والجغرافيا والسياسة والقدرة العسكرية.
لكن الموقفين عكسا الحالة اللبنانية التي ابتليت بوزراء يمثلون الأحزاب وليس الدولة، واستئساد فئات معينة ومحاولة مصادرة قرار الدولة لمصلحة قرار الحزب، لكنها قد تكون بداية نهاية سيطرة الحزب على القرار اللبناني، وقد تكون هذه الفائدة الكبرى التي ستجنيها الدولة في لبنان من هزيمة النظام في سورية.