رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ممنوع الغش

دخل الزملاء الخمسة قاعة الامتحان للحصول على شهادة التطور التربوي العام GED، وهي شهادة تعادل الثانوية العامة في الولايات المتحدة. يحصل على هذه الشهادة من تجاوز سن الـ 20 عاماً، ولم يتمكن من الحصول على الشهادة من خلال التعليم النظامي. يؤدي الطلبة الامتحان في خمس مواد هي الرياضيات واللغة الإنجليزية (القراءة والكتابة) والاجتماعيات والعلوم.
تسلَّم كل واحد منهم نموذجاً من المراقب وجلس الخمسة على طاولة مستديرة، خرج عندها المراقب إلى غرفة مجاورة تمكنه من مشاهدة مؤدي الامتحان من خلال واجهتها الزجاجية، أكمل الجميع الامتحان وخرجوا. نجح واحد وفشل البقية في النجاح. واحد ممن فشلوا في الاختبار كان يدرس في الجامعة، لكن كيف؟
عندما تسلَّم المتقدمون أوراق الإجابة، قام كل واحد بكتابة الاسم الذي يريد فكتب أحدهم اسم الطالب الجامعي وكتب الجامعي اسم الشخص الآخر. اجتاز الطالب الجامعي ولكن باسم آخر. استمر المتقدم في تجاوزاته حتى حصل على شهادة البكالوريوس من جامعة مجهولة، أي أنه حصل على شهادة مضروبة في الأصل فهو لا يستحق الثانوية العامة. استمر صاحبنا في غيه ليحصل على الماجستير ليحسن فرصه في الترقية، وطبعاً بالأسلوب نفسه، أي من جامعة مضروبة.
لا ألوم بعض القراء عندما يمتعضون من قراءة هذا الكلام المر، لكنه واقع ينطبق على عدد غير قليل ممن قد تشاهدون توقيعاتهم أو شروحاتهم على معاملاتكم بلغة غير مفهومة. يركز الجميع على شهادات الدكتوراه التي يحصل عليها أشخاص حاصلون في الأساس على شهادات بكالوريوس من جامعات معروفة وموثوقة. لكن المثال الذي صدَّرت به مقالي قد يكون مستغرباً.
بنى هذا الشخص حياته على كذبة، ونافس غيره بطريقة غير شريفة، واستغل الثقة التي منحتها له جهة تعليمية كانت تؤمن بأن هناك من احترام الذات والأمانة ما يمنع الشخص من سلوك طريق الغش للحصول على الشهادة. يمكن أن نعزو ثقة هذا المراقب إلى سبب آخر، وهو أن الامتحان في واقعه سهل، ولا يستدعي أن يلجأ المتقدم للغش. هذا يدفعني للحديث عن متطلبات الحصول على الشهادات في التعليم العام.
يلاحظ القارئ الكريم أن الحصول على الثانوية العامة الأمريكية هو من السهولة بدرجة تجعل أي شخص لديه من المعلومات ما يكفي، وراجع مجموعة الكتب المدرسية ذات العلاقة، يحصل على الشهادة باختبار أربع مواد منها اللغة الإنجليزية بشقيها الشفهي والتحريري. يستمر الامتحان لمدة لا تتجاوز أربع ساعات، وهذا أحد الأسباب المهمة التي تجعل التفكير بالغش غير مطروق.
هذه الحالة تعتبر غريبة جداً بالنسبة لنظام تعلمينا الذي يركز على تدمير قدرة الفهم والاستيعاب الذهني للمعلومات واستخدام المنطق في التعامل مع مختلف المعلومات التي يحصل عليها الطالب. ليصبح الطالب الحاصل على امتياز في 20 مادة تحتوي كماً كبيراً من المعلومات، لا يحصل على أكثر من 60 درجة في اختبار القدرات. هذا الطالب لن يتمكن بعد سنة من حصوله على الثانوية العامة من حل معادلة كان يحلها في دقائق أيام الدراسة.
يستدعي أمر كهذا أن نعيد النظر في المناهج الدراسية، بل وأن نعيد النظر في تركيبة التعليم العام برمته، فالطالب يتعامل مع كم غير قليل من المعلومات التي لا أثر لها في تطوير قدراته العلمية أو الذهنية أو التحليلية. ليس المهم أن نحشو ذهن الطالب بالمعلومات، وإنما ماهية هذه المعلومات التي نلزم أبناءنا بدراستها ونطالبهم بالنجاح فيها. المعلومات المهمة هي التي ستبقى ضمن ما يحتاج إليه الطالب في المراحل التعليمية الأعلى ومن ثم يمكن أن يطبقها في حياته العملية والعامة.
يستدعي أمر مثل هذا أن نعيد النظر لتركيبة المواد التعليمية التي تحويها المناهج الدراسية، والعمل على زيادة كم المواد التطبيقية التي ترسخ في ذهن الطالب بدلاً من المواد النظرية التي ينساها الطالب بمجرد الخروج من الامتحان. مواد الورش والمعامل والمختبرات والأنشطة خارج الصف، محدودة بشكل خطير على تكوين المهارات، ودعم الهوايات وتشكيل القدرات الذاتية والاجتماعية للطلبة. أظن أن مسؤولي التربية والتعليم يدركون حتماً ما أقصد.
هذه المناهج المعقدة وغير المفيدة تسبب انتشار الغش كوسيلة للتعامل مع الاختبارات، حيث يعاني الطالب عدم فهمه للمادة التعليمية إما لنقص في قدرات المعلم أو اكتظاظ الصف أو عدم تمكن الطالب نفسه وإهماله. الغش الذي انتشر بشكل خطير، أصبح أكثر خطورة مع توافر الهواتف الذكية، ووسائل الاتصال الحديثة التي ستهزم حتماً قدرات المدارس على الرقابة.
عندما قررت دولة الكويت تركيب أجهزة تشويش تمنع دخول موجات الاتصال إلى صالات الامتحان، ضربت المثال غير المنطقي للتعامل مع القضية، وأكاد أجزم أن بقية الوزارات في المنطقة ستتخذ الخطوة نفسها، بما يعزز انعدام الثقة بين المدرسة والتلاميذ. فلماذا لا نخرج من دائرة انعدام الثقة ونحول المدرسة إلى قيمة أخلاقية من خلال إلغاء الأنظمة التعليمية التي لا تتماشى مع احتياج السوق واحتياج الشخص نفسه. وباعتماد مناهج تدعم الفهم وتشحذ الفكر، وتمكن الطالب من أن يحصل على التقدير العلمي نفسه الذي حققه في الشهادة التعليمية عندما يختبر قدراته لدخول الجامعة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي