رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حروب الجيل الرابع (1 من 2)

هذا عنوان محاضرة قدمها البروفيسور ماكس مايوراينج في معهد الأمن القومي الإسرائيلي. يبدأ المحاضر بتعريف الحرب؛ وذلك ليربط بين المدخلات والعمليات والنتائج أو المخرجات، الحرب هي ''إخضاع العدو لرغباتنا''. قد تكون الرغبة اقتصادية أو استراتيجية أو دينية أو لمجرد فرض النفوذ ومنع تأثير العدو في مقدرات ومستقبل الدولة. كانت الحرب تدار من خلال استخدام القوات في الميدان بعد أن تستنفد الدول كل وسائل الضغط الدبلوماسي والاقتصادي والنفسي.
خلال نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحادي والعشرين ظهر التداخل الشديد بين مصالح الدول. ثورة المعلومات والاتصالات، وتجاوزت الحدود المكانية، فدفعت بالمصالح المتبادلة بين الدول إلى مساحات لا يمكن تصور حدودها. هذا العنصر المهم أوجد قضية الاعتماد المتبادل بين الدول، أصبحت العلاقة بين الدول علاقة حاجة بالدرجة الأولى. هذه الاحتياجات مبنية على جزئيات صغيرة جداً قوامها الإلكترون والذرة.
فبعد أن كانت الدول الكبرى تستطيع أن تفرض سيطرتها على دول صغيرة بحكم تمكنها من إدارة حركة المواد الخام والصناعات الكبرى بقدراتها البشرية والاقتصادية الهائلة، أصبحنا نسمع عن دول صغيرة مثل الدنمارك وهي تسيطر على صناعة الهواتف الجوالة، وأخرى تسيطر على تطبيقات الحاسب الآلي مثل الهند. أصبحنا نقرأ عن دولة صغيرة تسيطر إعلامياً على مئات الملايين من خلال القنوات الإخبارية، ونشاهد شركات صناعية كبرى تقوم بتصنيع أجزاء رئيسة من منتجاتها في دول مثل فيتنام وإندونيسيا، في حالة غريبة أسقطت كثيرا من المفاهيم التي كانت تبنى عليها السياسات العامة والاستراتجيات في العالم.
تضطر الدول ''الكبرى'' في حالة كهذه إلى حفظ مواقعها في التأثير في القرار العالمي، وتنقل المعلومات والاتصالات من خلال استخدام نوع مختلف من الحروب. تلكم هي الحروب الإلكترونية والحاسوبية. يتحقق ذلك من خلال الدخول على أنظمة قرار العدو وتدميره ''ذهنياً''. يضطر عندها العدو إلى استخدام الوسائل اليدوية للاحتماء من السيطرة الحاسوبية، ويعود بذلك للوراء قروناً وليس سنين. إذاً فحل كهذا لا يمكن أن تتبناه دولة تؤمن بحقها في البقاء وحقها في الدفاع عن نفسها. هذا يجعل الدول تتبنى التقنية وتدعم البحث العلمي الذي يكون في الأساس وسيلة للبقاء، ومن ثم يتحول إلى وسيلة للضغط على الكبار مع التقدم العلمي الهائل، وهو ما نشاهده في حالات مثل حالة إسرائيل.
يأتي في السياق نفسه الخلاف المستمر في دول العالم حول من يتدخل عسكرياً في دول أخرى. منظمات المجتمع المدني تعارض التدخل العسكري وتفعل منظمات الأمم المتحدة، ويقاوم الشعوب ضد المعتدي كما رأينا في أفغانستان والصومال والعراق، ونرى اليوم في مالي. ينخفض حجم الدعم المدني والسياسي داخل الدولة للغزو العسكري كلما طالت مدته، وهو ما يدفع نحو سحب القوات حتى إن لم تحقق أهدافها. يبدأ عندها الاعتماد على وسائل أخرى للسيطرة على قرار العدو كنتيجة حتمية للحرب.
يعتبر العمل الحاسوبي واستخدام عناصر المخابرات ووسائل التجسس وتنفيذ العمليات العسكرية عن بعد، من أهم البدائل الحديثة التي اعتمدتها دول مثل الولايات المتحدة، وتسير في نمطها أغلبية دول العالم المتقدم؛ ذلك أنها تحقق كثيرا من النتائج بالقليل من الخسائر التي تعتبر في الغالب مادية بحتة، إلا إذا تمكن العدو من كسر شيفرات الأجهزة أو سرقة القدرات الإلكترونية التي تحملها الأجهزة المزروعة في المواقع المستهدفة أو تقنيات الطائرات من دون طيار التي تسقطها وسائل الدفاع الجوي، فهي عندئذ تخسر قدراً كبيراً من التفوق التقني. كما حدث مع إسقاط طائرات دون طيار أمريكية. أو وقوعها في يد العدو من خلال العمليات الاستخباراتية المعتادة.
إذاً ما الحل؟ يرى البروفيسور مايوراينج أن الحل هو في حروب الجيل الرابع، وهي حروب تهدف إلى تحقيق هدف مهم هو ''إفشال الدولة''. حالة الدولة الفاشلة هي أساس حروب الجيل الرابع، وهي أسلوب الحرب غير النمطية Asymmetrical Warfare، وهي حروب تهدف إلى استخدام المتضادات، ونقاط الاختلاف، وتوزيع نسب السكان، والأزمات في العلاقات، والإشكالات القائمة داخل الدول بغرض تضخيمها، وتكوين حالة من انعدام التوازن بين الأطراف المختلفة دينياً أو ثقافياً أو سياسياً بما يؤدي إلى فشل الدولة. هي حرب ليس لها شكل معين أو أسلوب منهجي كما في الحروب السابقة.
كيف تفشل الدولة؟ وما أهمية تدريب كبار المسؤولين في مجال الأمن الوطني؟ وهل يكون الفشل دائماً نتيجة تخطيط خارجي؟ وكيف نقي أنفسنا من تغلغل عمليات التخريب التي تعتمد عليها الحروب غير النمطية؟
هذا ما سأناقشه في الحلقة الثانية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي