رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مصيدة البرامج الحوارية

انتشر الحديث في الفترة الأخيرة عن برنامجين أحسبهما أنجح البرامج الحوارية التي تهتم بالمواطن وشؤونه، والأكثر مشاهدة - أيضاً. يبحث مقدما البرنامجين ''شأنهما شأن الصحافة في كل مكان'' عن الأخطاء ويناقشانها مع المختصين وبأسلوب درامي في أحيان كثيرة.
يظن المشاهد للوهلة الأولى أن المسؤول سيكون سعيداً بوجود نظام رقابي ينبئه بما يفوته من أخطاء وتجاوزات تقع فيها الجهات التي ترتبط به، أو تتغاضى عنه اللجان وإدارات التفتيش. على أن الإعلام بعمومه مسؤول عن تقديم الحقائق دون زيادة أو نقص. إلا أن الملاحظ أن التفاعل مع ما يطرح في وسائل الإعلام بشكل عام وفي هذين البرنامجين بشكل خاص من قبل الجهات المسؤولة، لا يرقى لطموح المواطن, ومستوى التحدي الذي يتبنيانه.
بل إن الكثير من القطاعات تقرر مقاطعة وسائل الإعلام التي تنتقد أداءها من خلال رفض استقبال الصحافيين أو منعهم من الدخول للمقار الحكومية أو مقاطعة البرامج كلية ومنع ظهور المسؤولين فيها. أقول إن عملية المقاطعة هذه نجحت في حالات كثيرة بسبب التمكن من حصر الشكوى في موضوع الحلقة، إذ إن بعض من يظهرون في البرامج الحوارية – خصوصاً – ممثلين لوزاراتهم أو مؤسساتهم أو هيئاتهم يسيئون للقطاع من حيث لا يدرون، وهذا يمكن أن أعزوه لأسباب عديدة منها:
- عدم تفهم المسؤول لتأثير الجهاز الإعلامي في الوعي الجمعي، هذا ناتج عن البعد عن وسائل الإعلام والسلبية تجاه قضية الشفافية والاعتقاد السائد لدى البعض بعدم أهميتها، وينسى المسؤول أن المتلقي يرى في وسيلة الإعلام فرصة للبوح عما بداخله، فهو بهذا سيقف إلى جانب مقدم البرنامج أو المداخلين المعارضين لوجهة نظر المسؤول بحكم استدامة العلاقة بين الجهاز والناس وانقطاعها مع الجهة الحكومية.
- الاعتقاد السائد لدى الكثير من المتحدثين باسم القطاع العام أن ما سيقولونه سيفهم بالطريقة نفسها من قبل جميع مستقبلي الرسالة التي يريد إيصالها. ينسى الكثير من هؤلاء أنهم يتحدثون إلى جمهور من مختلف طبقات المجتمع، وفئاته العمرية، والعلمية، والاقتصادية. فالكلمة التي يقولها يمكن أن تفسر من قبل كل فئة بطريقة مختلفة، ولا بد أن يكون هناك مناوؤن وموافقون لوجهة نظر المسؤول وهو مطالب بأن يحافظ على من يوافقونه في وجهة نظره ويستقطب المناوئين بطريقة علمية.
- اعتماد الكثير من المتحدثين سياسة الدفاع عن القطاع الذي يتبعونه سواء كان على حق أو باطل، وهذه من أكثر الإشكالات التي تؤدي إلى تكوين وجهة نظر أكثر سلبية بعد المقابلة أو البرنامج. لا يعلم الكثير من المشاركين في هذه البرامج أن أخذ المتحدث جانب المواطن وتبني وجهة نظره سيؤدي إلى استفادة قطاعه من اللقاء. المهم أن يكون ذلك دون محاولة تجيير المسؤولية على قطاعات أخرى كوزارة المالية أو الخدمة المدنية أو العمل، وغيرها. قد يكون تعامل مسؤولي وزارة الصحة الذين تحدثوا للبرنامجين عن قضية الطفلة ''رهام'' مثالا واضحا على الفشل في تبرئة ساحة الوزارة، ووصفة ضمنت المزيد من الأعداء للوزارة.
- يدخل المتحدث اللقاء دون أن يكون مستعداً وملماً بجميع جوانب العمل، ويفاجأ بأن الكثير من الأسئلة تأتي في مواضيع لا تتعلق بما جاء لإيضاحه أو نقاشه. عدم الاستعداد يأتي بسبب سوء متابعة المسؤول لما يدور في الشارع حول أداء القطاع الذي يتبع له، أو حساسية بعض المواضيع التي تطرح والخشية من تناولها بطريقة تضر مصلحة القطاع، ولعل من أهم المراجع التي يمكن أن يستفيد منها مسؤولو العلاقات العامة والإعلام والمتحدثون باسم الجهات الحكومية، أسلوب لعب الأدوار حيث يقوم كل عضو بطرح الأسئلة المحرجة، التي لا يتوقعها المتحدث وهو أسلوب تعتمده الكثير من الجهات ذات العلاقة المباشرة بالمواطن. ليس هناك أسوأ من أن يقول المسؤول ''لا يوجد تعليق'' أو ''ليس لدي معلومات عن الموضوع''، فهو يدمر سمعة القطاع ويسهم في نشر الشائعات.
- يذكر الكثير من القراء – بالتأكيد – المقابلة التي تحدث فيها أحد المسؤولين عن الخدمات إلى شخص كان يناقش الأضرار التي سببها هطول الأمطار على البنية التحتية، عندما اتصل بالبرنامج ليقول إنه لا علاقة للمتحدث بالقضية وإنه لا يفهم الوضع وليس له الحق في نقاشه. أعتقد أن ذلك الحديث أساء كثيراً للشخص وإدارته ومستقبله المهني. لا بد أن ينسى من يتوجه للإعلام مرتبته وصفته الاجتماعية، ويتعامل مع الوضع كمواطن تحمل مسؤولية خدمة مواطنين آخرين.
- يبقى أن نتذكر أن الإعلاميين يزيدون احترافاً ومهنية وقدرة على إحراج المسؤول وتحويل مثل هذه اللقاءات إلى ''جلسات محاكمة'' للمسؤول، بعد أن كانت تعتبر نوعاً من الرفاه الذي يأتي مع المنصب. وقتها كان المسؤول يجلس والمذيع يقرأ ما كتب له من الأسئلة التي لا يخرج عنها، بل ولضمان نجاح اللقاء يمنع أن يكون مباشراً كما هو الحال اليوم. والأمثلة على ذلك كثيرة. يقابل ذلك ''جمود'' في تفكير القطاع وتفاعله مع الإعلام وقدرته على إنتاج كفاءات قادرة على استيعاب الوضع والتعامل الفاعل معه.
هنا يجب أن تقف الجهات مع نفسها وقفات جادة، ويعلم كل مسؤول أنه تحت عين المواطن وأن مثل هذه البرامج ما هي إلا فرصة لتحسين صورة القطاع الذي يرأسه. مع الأخذ في الاعتبار أن البعد عن نبض الشارع ومعاناة المواطن وعدم الشفافية والمحاسبة هي العوامل التي سيستخدمها المذيع أو الصحافي أو يداخل بها شخصا من أقصى الوطن، وتصبح إشكالية تقض مضجع المسؤول أياً كان موقعه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي