دع عنك التفكير الجماعي!
قبل أن تبدأ في قراءة الكلمات التالية أود أن أسألك: هل حكمت على شخص يحتل زاوية بعيدة عن الناس أو يجلس بصمت في أحد الاجتماعات الصاخبة واتهمته بالغرور أو المرض النفسي، أو هل يحزنك حال ابنك الذي يفضل الجلوس واللعب وحيدا في أغلب أوقاته (طبعا لا أتحدث عمن يستغني عمن حوله بجهازه الذي بين يديه ويعيش عالما وهميا مع شخوص خياليين) واعتقدت أن انطوائيته هذه قد تؤثر سلبا على مستقبله؟
أغلبنا مر بأحد هذين الموقفين أو كليهما، لأننا لسنين طوال نرى أن في الصخب ومشاركة الجميع في العمل وتكوين أكبر عدد من الأصدقاء دليل على النجاح، وأن الشخص المميز هو الشخص المنفتح، أما الانطوائي فهو أقل فهما وإبداعا، لذا نرى الآن في المدارس أن الفصول الدراسية تحولت إلى حلقات يتشاركون في فهم الدرس وإيجاد الحلول، بعد أن كنا نجلس في صفوف منفردة وصمت إلا من أُذن له بالحديث!
وفي العمل تجد المكاتب الجماعية أو التي لا يفصل بينها سوى حاجز زجاجي يوصل إليك كل ما يدور بجانبك، فتعيش في ضوضاء ولا تسلم من تدخلات الزملاء، أما إذا كنت تحب العزلة فلن تولى لك القيادة أبدا!
رغم أن الدراسات أثبتت عكس ذلك، يقول الباحث "آدم جرانت" من جامعة وارتون: إن القادة الانطوائيين يحققون نجاحات أكثر من المنفتحين، لأنهم يمنحون موظفيهم فرصة أكبر للعمل حسب أفكارهم الخاصة دون كثير من التدخلات، بينما حماس المنفتحين يجعلهم ينحازون لأفكارهم، ما يصعب عليهم تقبل فكر الآخرين، لذلك تجد الانطوائيين أعظم قادة في التاريخ مثل الرئيس الأمريكي السادس والعشرين "ثيودور روزفلت"، و"روزا باركس" التي ساهمت في صنع تاريخ أمريكا، عندما رفضت التخلي عن مقعدها في الباص لراكب أبيض، كما كان سائدا في ذلك التاريخ، و"المهاتما غاندي" الزعيم الروحي للهند الذي جُعل يوم مولده (2 أكتوبر) عطلة وطنية في الهند واليوم العالمي "للا عنف"، وجميعهم عرف عنهم حب العزلة وقلة الكلام التي لم تمنعهم من الوقوف أمام الجماهير وعدسات المصورين! فالانطوائي يختلف عن الخجول الذي يهاب مواجهة الناس، أما الفرق الأساسي بين الانطوائي والمنفتح فهو بيئة التحفيز، فالأشخاص المنفتحون يحتاجون إلى كثير من التحفيز، أما الانطوائيون فيحتاجون إلى بيئة هادئة وقليلة النشاط فقط ليبنوا أفكارهم، فالعزلة عامل حاسم لديهم، لذا أغلب المبدعين يجدون أنفسهم ميالين إلى العزلة. لقد كان العالم "داروين" يمشي في الغابات طويلا ويرفض دعوات العشاء، والكاتب والرسام "ثيودور جيزل" المشهور بـ "دي سوس" كان يحلم كثيرا بشخوص قصصه وحيدا في مكتبه، ويخشى مقابلة الأطفال الذين يكتب قصصه لهم، خوفا من أن يعرفوا أنه انطوائي وعكس الشخصية المرحة التي رسموها له في مخيلتهم! أما "ستيف وزنيك" شريك "ستيف جوبز" الذي اخترع أول حاسوب لـ "أبل"، وقال لو لم أكن انطوائيا وقليل الخروج من البيت لما استطعت أن أصل لما أنا عليه!
للعزلة قوة سامية تدفعك إلى بناء أفكارك المستقلة، أما الاختلاط بالآخرين فيجعلك تتبنى أفكارهم وتصرفاتهم دون وعي منك، كما يسلبك شخصيتك مع الوقت. انظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فرغم أنها تعزلك ماديا عمن حولك، لكنها في الحقيقة تعيشك في بيئة أخرى وضجيج صامت يسرق منك عزلتك وأفكارك التي هي أنت. لذا دعوا فرصة للانطوائيين للخلو بأنفسهم وبناء أفكارهم وإبراز إبداعاتهم، لا تشعروهم بالذنب أو تنظروا إليهم كمرضى، واجعلوا لأنفسكم وقتا للعزلة، ولنتوقف عن التفكير والحلول الجماعية، وينفرد كل بفكره، ثم نتبادل الأفكار ونتشارك في إنجاز الأعمال.