رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الغلول

أعجبني عنوان قرأته بالأمس يمنع أعضاء مجلس الشورى من قبول هدايا أصحاب المصالح. يقول الخبر: ''نبه مجلس الشورى أعضاءه بضرورة الالتزام بقواعد قبول الهدايا التي تقدم لهم في الزيارات الرسمية وعند استقبال ضيوف المجلس، مشددا على عدد من المحاذير في هذا الخصوص، منها ألا تكون الهدية نقدية بأي حال من الأحوال، وألا تكون هناك شبهة لوجود غرض أو نية سيئة لمقدم الهدية تدعوه لتقديمها، بل يجب أن تعكس الهدية بشكل سليم واضح نية مقدمها الحسنة وما هو قائم من نزاهة مجلس الشورى وشفافيته، وأن تكون الهدية من حيث نوعها وقيمتها (المادية، أو الأدبية، أو المعنوية) مما يقبل عرفاً تقديمه في المناسبات المقدمة فيها''.
توجد في المجلس قواعد ملزمة للأعضاء تحدد إلزامية الإعلان عن الهدايا المقدمة للأعضاء خلال 30 يوماً من استقبال الهدية وتؤكد أن الهدايا المقدمة هي ملك للمجلس ما لم تكن سريعة التلف أو ذات طابع شخصي، وحدد قيمة الهدايا التي يمكن أن يحتفظ بها العضو إذا كانت سريعة التلف أو شخصية بمبالغ تعتبر كبيرة نسبياً بالنظر لمخصصات الأعضاء. يسمح القانون لأعضاء مجلس الشيوخ والنواب ــــ مثلاً ــــ أن يحتفظوا بالهدايا الشخصية التي لا تتجاوز قيمتها 50 دولارا أي نحو 190 ريالا، بينما يسمح المجلس للرئيس ونوابه أن يحتفظوا بالهدايا التي تبلغ قيمتها عشرة آلاف ريال وهو مبلغ كبير إذا علمنا أن مخصصات العضو الأمريكي تعادل ثلاثة أضعاف مخصصات العضو السعودي.
إلا أن وجود القانون أمر جيد، ويمكن تعديله بما يناسب ظروف وقيود تلائم الواقع الجديد. أعادني ذلك لمراجعة الكثير من المفاهيم التي تنتشر بيننا دون أن يحكمها قانون واضح، يبين المباح والمحظور والممنوع للجميع. ذلك أن عبارات مثل ''ألا تكون هناك شبهة لوجود أغراض أو نوايا سيئة''، و''أن تعكس الهدية نية مقدمها الحسنة''، و''أن تكون الهدية من حيث النوعية والقيمة مما يقبل عرفاً''. حديث عام هلامي يمكن أن يفسره كل إنسان بطريقة مختلفة. هنا يجب أن نحدد لعضو المجلس ما هو ممنوع وما هو مباح حتى لا يقع ضحية التأويل والتفسير، وليعلم أن المجلس كجهة استشارية لا بد أن يطبق معايير واضحة لا لبس فيها، حتى تكون قراراته ــــ بالتالي ــــ منطقية . فإن لم يطبق ذلك داخله، فلن يكون قادراً على إقناع الناس بتقبل ما يخرج عنه.
لهذا أقترح على المجلس الموقر أن يقدم تشريعاً أو مشروع قانون يحكم الهدايا التي يحصل عليها جميع مسؤولي الدولة، وهم في مرحلة كهذه مستهدفين بالتأكيد من قبل أصحاب المصالح، ولكنهم في الوقت نفسه غير قادرين على أن يشقوا عن صدور من يتعاملون معهم ليعلموا ما نواياهم. أذكر في هذا السياق أنه وبحكم عملي في قطاع العلاقات العامة لسنين شاهدت هدايا تقدم بشكل رسمي وهدايا أكثر تقدم بشكل غير رسمي. منها ما هو مادي ومنها ما يعتبر من التسهيلات، وأخرى من قبيل ما يعتبره البعض ''حسن الضيافة''، وهي أساليب تسويقية يستخدمها الجميع، بل وتعتبرها بعض الدول خصوصاً الأوروبية مشروعة ولا إشكال فيها.
يتناول الجميع هذه القضية بالجدل والنقاش خصوصاً أنها انتشرت في الكثير من المؤسسات الحكومية، بل وأدت في أحيان لانخفاض مستوى المهنية لدى الكثير من المسؤولين، وأوجدت الدولة بناء عليها هيئة تختص بمكافحة الفساد. الأكيد أن العلاقة التي تربط القطاع بأصحاب المصالح من أهم مكونات ودوافع الفساد والمؤثرات على طريقة اتخاذ القرار. وإيجاد تشريع بالتعاون بين المجلس وهيئة مكافحة الفساد سيكون مبادرة أخلاقية، وعملية، وشمولية.
تتجاوز الهدايا الأموال والمجوهرات والفنادق وتذاكر الطيران، إلى تقديم عروض الخدمات في التوظيف والأعمال التخصصية كالهندسة والإنشاءات والعلاج والتعليم . بل إن الفساد يؤدي إلى توقيع مسيرات تحتوي على مخالفات لصالح الموظف العام بعلم الطرفين. كما يؤدي إلى نشر قيم غير مقبولة دينياً واجتماعياً وأخلاقياً، بل ويتنافس البعض على الحصول على أكبر حصة من الكعكة في منظر أصبح مميزاً لبعض القطاعات. إن انتشار هذه الحالة أصبح من الخطورة لدرجة أن موظفي القطاعات أصبحوا يتبادلون التنازلات والمزايا على حساب ميزانيات قطاعاتهم للحصول على مزايا من قطاعات حكومية أخرى.
يقع الموظف العام تحت ضغوط كبيرة بسبب انتشار الهدايا والعطايا والخدمات في قطاعه. يشجع بعض الموظفين آخرين على مشاركتهم في ''الغنائم'' من العقود والمشاريع لمجرد ضمان وجود عدد أكبر من المتورطين معهم، ليصبح الجميع متورطين في مستنقع استغلال المنصب العام فيما لا يسمح به النظام.
وجود التشريع، وتعميمه على كل القطاعات، والتذكير المستمر بخطورة تجاوزه، وتطبيق العقوبات على المخالفين، والتشهير بالمخالفات قد يعيد بعض التوازن في قضية الهدايا والمزايا وأدوات التسويق.
على أن المهم أن نذكر أن الدين الإسلامي تعامل مع هذه القضية قبل 1400 سنة عندما اسْتَعْمَلَ الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ عاملا على الصدقة فجاءه العامل حين فرغ من عمله فقال ''يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الَّذِي لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ''فَهَلا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأَمِّكَ، فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لا''، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ''أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا، فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟ فَهَلا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَغُلُّ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا، جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً، جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً، جَاءَ بِهَا تَيْعِرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ؟''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي