ممنوع
أذكر أنني كنت فضولياً بشكل عجيب في طفولتي، وكان هذا يسبب لي الكثير من المشاكل، لكن فضولي كان يشتد عندما أمر قرب أحد الأسوار الذي كان يحمل لوحة تقول: ''ممنوع التصوير، ممنوع الوقوف، ممنوع الاقتراب''. أستغرب لماذا كانت تلك اللوحة بالذات تشدني، وكنت أتمنى أن أصورها من قبيل ''اللقافة''. لكن الكاميرا كانت مثل ساعات رولكس الأصلية اليوم، لا يملكها إلا من أوتوا مالاً وفيراً.
الغريب أنني كنت أدخل، ويدخل غيري داخل ذلك السور الذي كان جزءاً من ''القشلة'' التركية، بعد أن تركتها وزارة الدفاع وبنى كل قائد لنفسه مقراً تحيط به أسوار أعلى من أسوار القشلة، تطور فيها كل شيء ما عدا تلك اللوحة. الغريب أن هذه اللوحة لا تزال موجودة على الكثير من المواقع العسكرية والمنشآت الحساسة، وقد تكون جزءا من فقرة ''مجال العمل'' في كل مشروع عسكري منذ تلك الأيام، وكأنهم يقولون لمن لا يعلم ''هنا موقع مهم''.
يعاني الكثير من العاملين في مجال الأمن من إشكالية التخلص من القيود التي لا داعي لها، فالمنشآت والقواعد العسكرية وغرف العمليات التي يمنع تصويرها من الخارج، يمكن أن تجد صورتها في ''جوجل'' أوضح بكثير مما كنت تريد. بل إنني أتمتع بالبحث عن المواقع التي تعلن عنها وكالة الطاقة النووية في إيران لأجدها واضحة وضوح الشمس. فلماذا نستمر في تعليق هذه اللوحة الكئيبة، التي تدل الناس على المواقع الحساسة إن لم يكونوا قد عرفوها أساساً؟
سؤال جدير بالاهتمام، بل هو مجال فرع مهم من فروع على الاجتماع والنفس وعلم الإدارة، ألا وهو التغيير. قرأت البارحة ما يقارب 50 مقولة مشهورة يعتمدها مدربو وأساتذة علم الإدارة في إقناع المتدربين والمديرين والتنفيذيين بحتمية التغيير، أهمها مقولة هرقل ''لا شيء ثابت إلا التغيير''.
التغيير الذي كان يعني التفاعل الوقتي مع مختلف المؤثرات، وأصبح يهتم بمحاولة إحداث التغيير وليس مجرد تقبله. إن تأخر التفاعل مع الواقع أو عدم المشاركة في صنعه هو ما يؤدي إلى تراجع تنمية الدول، واستمرار تلقي الضربات من الأحداث والتقنيات والتطور الذي يسيطر على العالم، في فترة تعتبر أسرع مراحل التاريخ تغييراً.
تسيطر آثار التغيير على كل مناحي حياتنا، يرى الوالدان هذا التغيير في سلوك وتفكير وأساليب تعامل وتفاعل أبنائهم، يرونه في طريقة اختيار الأصدقاء وأولويات الأبناء ونظامهم اليومي. يجد الآباء أنفسهم في موقع متخلف مقارنة بما يشهدونه من قدرات عالية ونبوغ تقني لا يمكنهم التفاعل معه. وهي ضريبة التقليل من قيمة وأثر هذه التقنيات على حياة كل فرد من أفراد الأسرة، أحسب أن من طوّروا قدراتهم ومهاراتهم ومعرفتهم يعتبرون اليوم أحسن حالاً من أولئك الذين استمروا في الاعتقاد أن هذه شطحات ستنتهي.
أخطر الآثار هو ما نراه من سلبية في التعامل مع التقنية والتطور الهائل في وسائل الاتصال والتواصل والتفاعل من قبل المنظمات الحكومية والأجهزة الخدمية والأمنية والتخطيطية. إن التراجع في سلم التفوق المادي والعلمي لا يعني عدم وجود الخطط أو المشاريع الهادفة لاستيعاب التقنية الجديدة، وإنما هو التفاعل غير المرن والأقل سرعة مما يحدث حولنا.
أجد الكثير من المسؤولين في حالة من الصدمة الحضارية التي تشتد يوماً بعد الآخر، فهم يتبنون تقنية معينة، ليجدوا أنفسهم بعد تطبيقها متأخرين عن غيرهم. يساهم في هذه الحالة عدم ربط كل المدخلات والمخرجات من خلال نظام تفاعلي سريع التعاطي مع المتغيرات، لا بد أن يكون هناك تحديث لآليات اعتماد المشاريع في مختلف القطاعات، التي تمر بسلسلة من الإجراءات والقرارات وتحديد المخصصات، الأمر الذي يؤدي لإدراج المشاريع في وقت تكون فيه هذه المشاريع قد فقدت قيمتها النوعية وميزتها التنافسية لتدخل في مرحلة أسمتها القطاعات ''المشاريع التطويرية''، بل إن بعض المشاريع تصبح تطويرية قبل افتتاحها، وهو هدر يعلمه الجميع.
يكمن الحل في أن تكون هناك عمليات بحث ودراسات متخصصة ودقيقة تنفذها جهات استشارية على مستوى عالٍ من الاحترافية قبل إدراج المشاريع، والعمل على تعديل المشاريع أثناء فترة انتظار إقرارها من الجهات الممولة كوزارة المالية أو الصناديق الحكومية والخاصة. كما يتضمن أن يكون منسوبو الأجهزة على مستوى ملائم من التخصص والاحترافية، باعتماد الفرص التدريبية وتوفير البيئة التطويرية داخل القطاع، مثل إيجاد مراكز التطوير الإداري والهندسي والطبي والتقني، واعتماد نظريات التطوير الذاتي والمستمر مثل بيئة المنظمة المتعلمة Learning Organization ومفهوم التحسين المستمر Kaizen وإدارة الجودة الشاملة والتميز بشكل عام.
عندما نتمكن من التفاعل مع التقنية والتطور السريع من حولنا فلن نحتاج إلى سلسلة قوانين ''ممنوع'' التي تحاصرنا في كل مكان، حيث ستكون الهواتف الذكية، والكاميرات وأجهزة الآيباد والذاكرة المتنقلة removable USB وغيرها من الأجهزة التي نتوجس منها، من مخاوف الماضي. ستظل هناك مخاوف من أجهزة وتقنيات معينة، لكنها ستكون مبررة ومبنية على المنطق والوعي بما يدور في العالم.