التحول إلى اقتصاد المعرفة .. ومهارات القوى العاملة الوطنية

نحن نعلم اليوم أن مسألة التحول إلى اقتصاد المعرفة هي الخيار الذي يمكن من خلاله تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع، والخطوات التي عملت عليها المملكة في تطوير التعليم ودعمه، خصوصا التعليم العالي والفني والتقني، ما هي إلا إحدى الخطوات التي تسعى من خلالها إلى تعزيز مجتمع المعرفة.
من القضايا المهمة لتعزيز اقتصاد المعرفة، تطوير مهارات القوى العاملة الوطنية، بحيث يكون لديها المهارة الكافية للارتقاء بسوق العمل والإنتاج، ولديها الكفاءة للابتكار وإيجاد الحلول والفرص، كما أنها من الممكن أن تكون لديها ديناميكية في التحول والتغيير في مجال العمل، بحيث يتمكن الموظف من تطوير مهاراته بصورة مستمرة بما يتناسب مع المتغيرات في طبيعة العمل مع وجود متغيرات متعلقة بتطور التقنية.
إضافة إلى أن التحول إلى اقتصاد المعرفة يقلل الاعتماد على الوظائف المتدنية لمصلحة الوظائف التي تعتمد على المهارات العالية والتقنية؛ إذ إنه اليوم أصبحت كثير من الدول المتقدمة اقتصاديا تعزز جانب استخدام التقنية في الإنتاج، بما يقلل من الاحتياج إلى الوظائف المتدنية والتقليدية، وهذا إضافة إلى أنه يقلل من أعداد الموظفين، نجد أنه أيضا يزيد من فرص زيادة نوعية الإنتاج وتحسينه وتقليل التكلفة له، وإيجاد منتجات ذات تنافسية عالية، خصوصا مع وجود المنافسة الكبيرة عالميا بين الشركات والدول.
لذلك، فإنه ومع البرامج المتنوعة وهذا الدعم الكبير لقطاع التعليم فهل هناك تقييم لكفاءة هذه المخرجات بما يتناسب مع النظرة المستقبلية لسوق العمل؟
الحقيقة، أن هذا سؤال كبير وإجابته لا بد أن يتم العمل عليها الآن، فالدعم الحكومي الكبير لقطاع التعليم العالي وقطاعات التعليم الأخرى التي تم إنشاؤها أخيرا، مضت عليه مدة تكفي ليكون لديها خريجون، إضافة إلى أن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي تم تمديده لمرحلة أخرى بعد أن أمضى أكثر من خمس سنوات، ولا تزال سوق العمل تشهد بطالة واعتمادا على القوى العاملة الأجنبية، خصوصا في القطاع الخاص. كما أن البرامج التي تقدمها المؤسسات التعليمية ينبغي أن تكون فعلا تعكس احتياج سوق العمل؛ لذلك فإن قطاع التعليم اليوم ينبغي أن تكون لديه مؤشرات أداء تعمل على توجيه مؤسسات التعليم، وأحد هذه المؤشرات هي نسبة توظيف مخرجاته التعليمية ونوعية الوظائف التي حصل عليها، وهذا ينبني على نوعية البرامج التعليمية التي تقدمها هذه المؤسسات، وجودتها في تخريج كوادر قادرة ليس فقط على الحصول على فرص عمل، بل تطوير قطاع العمل وإيجاد فرص جديدة.
من الأمور التي ينبغي أن يعمل عليها قطاع التعليم أيضا مسألة إعادة تأهيل مخرجات التعليم التي لا تجد فرص عمل بسبب عدم وجود طلب على تخصصاتهم، أو حتى الموظفين حاليا الذين يتطلب العمل تطوير مهاراتهم، خصوصا بعد تطور وسائل تقديم الخدمات. وهذا الأمر لا شك في أنه تحد كبير، لكنه أداة لمعالجة مشكلة قائمة، وهي البطالة لدى البعض، وكثرة القوى العاملة الأجنبية المتدنية المهارات والإمكانات والتعليم، إضافة إلى بناء نظام تعليمي دينامكي يتناسب مع ما تتطلبه حاجة المجتمع، ويعزز فرص التحول إلى اقتصاد المعرفة، وتحقيق تنمية مستدامة.
من القضايا المهمة أيضا إشراك القطاع الخاص في هذا البرنامج بحيث يكون جزءا من التدريب يتم في هذا القطاع، وهو مشابه لما تعمل عليه بعض الجامعات من خلال ما يسمى بالبرنامج التعاوني، بحيث يتم التوسع في هذا البرنامج ليساعد من يحتاجون إلى مهارات إضافية من خريجي الجامعات الذين يحملون مؤهلات أو تخصصات يكون الطلب عليها أقل عادة بأن ينضموا إلى هذا البرنامج ليتمكنوا من الحصول على عمل مناسب، خصوصا أن هؤلاء لديهم حد أدنى من المهارات ولا يحتاجون إلى إعادة برنامجهم التعليمي بالكامل، لكن يحتاجون إلى مجموعة دورات تنمي مهاراتهم بما يمكنهم من العمل في مجال يختلف عن تخصصهم الأساسي.
من الأمور الأخرى التي تحفز على التحول إلى مجتمع التقنية العمل على الاستغناء عن كثير من الوظائف المتدنية، خصوصا التي يشغلها حاليا كثير من القوى العاملة الأجنبية، وذلك بتحفيز استخدام التقنية في قطاع الأعمال وتطوير مهارات القوى العاملة الوطنية.
فالخلاصة، أن مسألة التحول إلى اقتصاد المعرفة خيار استراتيجي لتعزيز التنمية المستدامة، ودعم التعليم خطوة ينبغي التفكير فيما يليها من تقييم مخرجات التعليم، وتحفيز الاستثمار وإيجاد فرص العمل في مجالات متقدمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي