ريهام ضحية أسلوب الإدارة في وزارة الصحة
شجعني أحد العاملين في بنك الدم على التبرع باستمرار للفوائد التي تشمل قيام البنك بعمل فحص شامل يمكن من خلاله أن يتنبأ بما سأواجهه من مصاعب صحية في المستقبل - والعلم دائماً بيد الله. لكنه أكد أن الفحص يضمن تقديم معلومة عن احتمال الإصابة بالسرطان خلال عشر سنوات. تساءلت عندها كيف يصاب المشاهير وأصحاب المناصب والأموال بالمرض ما دام يمكن التنبؤ به، فقال إنه قد يكون بسبب عدم إدراج الفحص ضمن ما تقوم به المختبرات التي تنفذ الفحص عليهم.
بلعت أو تظاهرت ببلع قصة السرطان تلك، إنما كنت متأكداً أن الدم يفحص قبل أن يحقن في جسم أي مريض آخر، خصوصاً لمرض نقص المناعة المكتسب ''الإيدز'' الذي لا علاج منظورا له. هذا موضوع مهم، فالمريض يثق بالمستشفى العام، ويضع حياته بين أيدي موظفيه في عمل تطوعي ليس ملزماً به. وهو يجعل الجهة الطبية شاكرة لتعاون المواطن، ويجب أن تعبر عن شكرها من خلال طريقة احترافية وإنسانية، هي لب عملية تقديم الخدمة الصحية.
يتم داخل المستشفى عدد غير محدود من أعمال حقن الدم للمحتاجين من المرضى، وهذا يستدعي وجود آلية مضمونة 100 في المائة لسحب وحركة وحفظ وحقن الدم في المستشفى. هذه الآلية يجب أن تكون تحت الرقابة والتطوير كلما توافرت تقنيات وأساليب حديثة.
يجب أن تكون علامات الإنذار والتنبيه معلومة للجميع ومعتمدة من الجميع، وأن تكون هناك عقوبات صارمة ضد أي شخص يتهاون أو لا يهتم بها. ذلك أن أي خطأ أو تهاون في مراقبة الإنذارات والتفاعل معها سيعني إصابة المريض بفيروس آخر، ما يؤخر شفاءه أو يؤدي إلى وفاته كما هي الحالة مع مرض نقص المناعة المكتسب ''الإيدز''.
هذا ما دفعني للكتابة في موضوع الطفلة البريئة التي تعرضت للحقن بدم ملوث بفيروس الإيدز الأسبوع الماضي. هذه الطفلة تواجه مستقبلاً مظلماً. قد يتبادر للذهن سؤال عن العقوبات التي يجب أن تطول المتسبب. وهو سؤال منطقي، لكن لنحدد المتسبب بداية، ثم نعاقبه.
اتهم المستشفى أحد الفنيين بالقول إنه خطأ فردي. وأقول: لا يمكن أن يكون الخطأ فردياً في حالة كهذه. إذ إن هناك مسؤولين يديرون المختبرات وبنوك الدم، وهناك إجراءات وسياسات تحكم كل عملية تتم فيها. هذه الإجراءات والسياسات تُعد وتُرسل للجهة المختصة في المستشفى كشروط ملزمة للعمل. إنها ما يعرف بإجراءات العمل المستديمة، وما دامت تطبق في كل مستشفيات الوزارة فهي مسؤولية الوزارة في الإعداد والمراقبة ومسؤولية صحة المناطق في المتابعة، ومسؤولية المستشفى في التطبيق السليم.
أي إجراء لا بد له من خطوات تحكم تنفيذه بالطريقة الصحيحة. هذه الخطوات تضم فقرة الموافقة التي لا بد من قيام مسؤول أعلى بها. ولا بد أن تقوم فرق التفتيش بالتأكد من تطبيقها. لا يمكن أن ترمى المسؤولية على فرد واحد ومن ثم التخلص منه، واعتبار ذمة الآخرين بريئة من دم الضحية.
إن وجود مثل هذه العيوب الفنية والتطبيقات غير الاحترافية ما هو إلا دليل على ضياع مفهوم التخصص في وزارة الصحة. يعتقد الكثيرون أن تسلم أي منصب إداري أو تنفيذي أو تخصصي هو عبارة عن وجاهة اجتماعية ووسيلة لكسب الجميل أو لبنة لبناء المستقبل. هذا الاعتقاد يسود في وزارة الصحة، وهو السبب الرئيس – في نظري – لحجم الأخطاء المرتكبة في مستشفيات ومراكز الوزارة، حتى على مستوى اللجان الطبية التي يهدف أعضاؤها إلى تحقيق مكاسب شخصية بغض النظر عن أداء المهمة الملقاة على عواتقهم.
إن تسليم الأمر لغير أهله له عواقب وخيمة، فمن يكلف بعمل في غير تخصصه سيكون مضطراً للتعلم وتطوير ذاته، لكن حجم العمل والمطالبات التي سيواجهها ستحرمه بالتأكيد من ذلك. هذا يؤدي إلى أداء العمل بطريقة اجتهادية غير مهنية، وإلى تفشي التعاطف بين المتشابهين في المجال؛ لأنهم يواجهون التحديات نفسها.
تعاني الوزارة مشكلة سحب الأطباء من مجالات عملهم وتكليفهم بأعمال إدارية بسبب البحث عن ''البرستيج'' والسمعة، وهو خطأ شائع يحتوي على سوأتين: الأولى حرمان المحتاجين إلى مهارة الطبيب من خدماته، وبالتالي إهدار مالي كبير في تأهيل وتطوير الطبيب، والأخرى أن لكل مهنة أسرارها ومفاهيمها ومبادئها، وإلا لما كانت الجامعات تحتوي كليات تدرس تخصصات مثل الإدارة والقانون والمحاسبة والهندسة والطب.
يستطيع أي متابع أن يكتشف أهمية الإدارة ودورها في تحقيق النتائج والتطوير من خلال قراءة بسيطة لقائمة أكبر أغنياء العالم ليجد أن أغلبيتهم هم من المديرين الذين برعوا في المجال. كما يستطيع أي قارئ أن يتأكد من أهمية المدير والقائد عندما يطلع على رواتب كبار التنفيذيين والمسؤولين في القطاع الخاص في كل دول العالم، هذا يعني أنها مهنة أكثر تعقيداً من مهنة الطب، وليست بالسهولة التي يعتقدها الكثيرون.
ومع ذلك تبقى دول العالم الثالث معادية للتخصص وتجعل المنشآت حكراً على ذوي الارتباط بالمجال الأساسي، فالوزارات الهندسية تعطي مناصبها الإدارية للمهندسين وكذلك الطبية والقضائية، وهو أمر أسهم في تردي الخدمات والبعد عن الجودة، ولمن يشك في كلامي أن يرجع لأي مستشفى أمريكي ويبحث عن تخصص مدير المستشفى، ويطبق ذلك على كل المنشآت المماثلة.
الخلاصة أن الأخطاء الطبية والوفيات والتجاوزات وكل الأخطاء المهنية هي نتيجة عدم احترام التخصص وربط العمل بالمصالح الشخصية. يمكن أن أذكر هنا أن أنجح وزير للصحة في بلادنا لم يكن طبيباً. لكن الأهم من كل هذا هو أن تتوقف الوزارة عن تقديم الخدمة وتتفرغ للرقابة على المنشآت الطبية التي تقدمها، من خلال التأمين المناسب على كل المواطنين وإزاحة كوابيس الأخطاء والتجاوزات الطبية التي تخلقها البيروقراطية الحكومية.