حشرة تحدّت الجبابرة وحيّرت العلماء
هي مخلوقة لا يتعدّى حجمها المليمترات فتكت بالبشر وقتلت الملايين أكثر مما فعلت الحروب والكوارث الطبيعية ولا تزال، يعتبرها العلماء أخطر مخلوق على وجه الأرض، فهي المسؤولة عن نشر عديد من الأمراض القاتلة، تلك هي "البعوضة" التي ضرب الله بها المثل في مُحكم كتابه، وفي خلقها وما تقوم به دلالة على ضعف الإنسان ومعداته وما وصل إليه من تكنولوجيا أمامها!
يقول الحق ـــ سبحانه وتعالي ـــ "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَر" سلّطها الله على الجنود الفرنسيين ومن بعدهم الأمريكان عندما أرادوا حفر قناة بنما (التي تقلّص المسافة بين نيويورك وسان فرانسيسكو) فهاجمتهم وأصابتهم بالأمراض وتُوفي عدد كبير منهم ما اضطر الباقين إلى الانسحاب بمعداتهم وطائراتهم! ولم يتمكّنوا من العوده لإتمام مشروعهم إلا بعد أن عقدوا اتفاقية مع أهل بنما أصحاب الأرض وقضوا على البعوض المسبّب للحمّى الصفراء والملاريا قبل البدء بالمشروع المعجزة والذي جعل من بنما قلب الكون لربطها بين المحيطات!
وفي حرب فيتنام كان للبعوض دورٌ في قتل ما يزيد على خمسة آلاف جندي يومياً أكثر مما قتل بآلة الحرب نفسها!
ووقفت البعوضة في صف البريطانيين حين قتلت عام 1958 القائد "أولفر كروميل" وأنهت بذلك النظام الجمهوري وأعادت النظام الملكي، وضدّهم عندما فتكت الحمّى الصفراء بالجنود البريطانيين قبل مواجهتهم مع الفرنسيين عام 1960.
ومن جندي في الحروب إلى معجزة حيّرت العلماء وأقضت مضاجعهم للبحث عن وسيلة فعّالة وآمنة على البشر للقضاء على مصاصة الدماء وقاتلة البشر ولم تعد الطرق التقليدية تجدي نفعاً معها خصوصاً النوع الناقل لحمّى الضنك الذي لا يتواجد في الليل، بل يلسع نهاراً فلا تفيد فيه الناموسيات وليس لها صوتٌ يحذّرك من قدومها، كما تحمل أربعة أنواع مختلفة من الفيروسات المسبّبة للحمّى، لذا كان هدف العلماء القضاء على الحشرة نفسها، والتي هي عبارة عن معمل متحرّك، فهي ليست مثل الإبرة التي عند استخدامها لأكثر من شخص تنقل الأمراض وإلا لكانت أعظم ناشر لمرض الإيدز، أن لها طرقها الخاصّة في سحب ومعالجة الدم حتى إنها تميّز بين الدماء، فليس كل دم مستساغ لها وتستدل على الشخص من حرارة جسده، لذلك تكثر إصابة الحوامل بالملاريا في المناطق الموبوءة، كما تميز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من هواء الزفير، فتهاجمك وأنت نائم من أي فتحة ينبعث منها الغاز وتبرز لها عروق دمك في ظلمة الليل بواسطة عيونها ذوات الطيف الواسع، ثم بعد أن تقع على فريستها تُطلق مخدراً موضعياً يفقدك الإحساس بوجودها فلا تشعر بها إلا بعد مغادرتها، كما تفرز أنزيماً يسيل الدم لكي ينفذ بسهولة عبر خرطومها الدقيق!
لذا دخل معها العلماء في حرب بيولوجية بعد فشل المبيدات في القضاء عليها والأشعة في تعقيم الذكور، ووجد العالمان "الفي" و"جيمس" أخيراً جيناً وراثياً يتحكم في نمو عضلات الطيران لدى الإناث فقرّروا إضعاف هذا الجين ومنع نمو عضلات الطيران، وفعلاً قاموا بإنتاج جيل من البعوض المحور جينياً وزاوجوه مع بعوض محلي غير محور فنتج عنه ذكور حاملين للطفرة وإناث معوّقة غير قادرة على الطيران أو التزاوج أو التغذي واللسع فتموت ويبقى الذكر الحامل للجين المعدل وبعد فترة سيقضى على البعوض تماما في حال عمّمت التجربة.