رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هذا هو الشأن مع إيران وعملائها

لعل أهم ما يميز الفترة الراهنة هو انتشار المد الطائفي، وعودة الناس لتقويم سلوكيات وأفكار الآخرين بناء على انتمائهم ''الطائفي'' خصوصاً. حتى لكأنك ترى الواحد منا يصادر كل ما يملكه من عقلانية وعلم وثقافة، لصالح أشخاص يقضون جل وقتهم على الشاشات وخلفها. يبثون على الشاشات سموم الفرقة والخلاف والنزاع والصراع الذي لم يسلم منه سلف الأمة. ويصورون من خلف شاشات الحواسب والهواتف الذكية مواقف ويفترون أكاذيب، كلها تصب في خانة الفرقة والشقاق، فويل لهم من رب عظيم.
إنها الثورة الإيرانية ''الإثني عشرية'' التي أطلقها الخميني بداية الثمانينيات، ولم تجد من يصغي إليها خارج إيران. بل كان الناس ينفرون منها، ثم أشغل الله مطلقها بالحرب مع العراق ثمان سنين، لم تكن خالية من محاولات زعزعة الأمن في أقدس بقاع الأرض. لعل الجميع يذكرون محاولات التفجير والاعتداءات التي لم تنجح من قبل إيرانيين في مواسم الحج أوائل الثمانينيات، ثم انتهجت إيران تجنيد من كنا نثق في أنهم لن يفجروا بين ظهرانينا من أبناء الخليج العربي، فنجحوا بسبب ثقتنا بهم، فويل لمن خان الثقة وقتل مؤمناً متعمداً.
بعد الحرب العراقية الإيرانية، اشتغلت الجمهورية ''الإسلامية'' بتطوير خطة خطيرة تعتمد على ''التدمير الذاتي''. بدأت عمليات بعث من ينتمون للطائفة الشيعية، حتى وإن لم يكونوا من الطائفة الإثني عشرية إلى قم، حيث شغلت الثورة نفسها بتدريب هؤلاء، وإقناعهم بأنها ستقف معهم في سبيل أخذ السلطة ''بالقوة''.
نفذت إيران الخطة من خلال انتهاج مبدأ ''المظلومية''، لطم الخدود وشق الجيوب والتطبير والبناء على ما يفرق المسلمين، لضمان أخذ الوصاية والسيطرة على الحكم في أغنى منطقة في العالم ومصدر طاقته. فدربت حزب الله ومكنته من السلاح الذي لم يكن ليحصل عليه لو كان هناك حاكم غير الوصي السوري على لبنان، و دعمت النظام البعثي ''الطائفي'' في سورية، بل ودقت أسافين في علاقته بالعالم العربي من خلال إلغاء دور سورية العروبي وعلاقته المباشرة بدول العرب الكبرى كالسعودية ومصر، ولعل الجميع يذكر الجهد الكبير الذي بذله بشار للإساءة للمملكة ومصر دون وجه حق.
حاربت إيران صدام ووقع هو الآخر ــــ ضحية المؤامرة نفسها، لكن من جهة أخرى عندما تعاون عدواه، فورطاه في الكويت من خلال الوعد بأن يمتلك تلك الدولة الصغيرة ويضمها إلى جمهوريته. فدخل هو الآخر وأدخل العراق والعراقيين في نفق مظلم لا نهاية لظلمته.
لو تكلمت لبنان لبكت وشكت مما تراه من تجبر وطغيان حزب واحد يسيطر على الدولة. يملك السلاح، ويحرم الشعب من حق الدفاع عن أنفسهم، خصوصاً إذا كانوا من السنة. أصبح من شروط البقاء السياسي والإعلامي التحالف مع حزب الله، وإلا فالقتل والاغتيال وانتهاك حرمات البيوت ستكون المصير.
صادرت الحكومة اليمنية خلال الأسابيع الماضية كميات كبيرة من الأسلحة والصواريخ والذخائر، التي كانت مرسلة بختم المرشد الأعلى إلى الحوثيين. الحوثيون يتبعون المذهب ''الزيدي''، ويكفرهم الاثنا عشريون، لكن إيران اخترقت قياداتهم لأهداف مستقبلية، ومعلوم أن أتباع الطائفة الشيعية ''في الغالب'' يصادرون عقولهم لصالح ما يقوله ملاليهم، والحديث في حال الحوثيين يطول.
الأكثر خطورة في الخطة الإيرانية هو مبدأ التغلغل في المجتمعات من خلال عملاء من الجنسية نفسها. خطرها يكمن في أنها تتم داخل دول غنية ويتمتع أبناؤها بجميع الحقوق بغض النظر عن مذهبهم أو توجههم الديني، دول يمكن اعتبارها ''ليبرالية'' سياسياً.
أهم هذه الدول هي البحرين. في البحرين تتساوى كل الطوائف، وخدمات تتقدم كل يوم، وحضارة تبنى، وفرص عمل توفر، وقيادة عادلة ومتسامحة. بدأت عناصر التفرقة في إحداث الشغب، وقطع الطرق وإغلاق المستشفيات في وجوه المرضى، والاعتداء على البنية التحتية، وقتل رجال الأمن، والتستر خلف النساء والأطفال. حاول الملك أن يقنع الجميع أنه لا يفرّق بين شخص وآخر ما دام بحرينياً، وكان واثقاً من ذلك لدرجة أنه شكّل لجنة دولية لإثبات الحقائق وإقناع الخصوم والعالم بها. لكن ما يعلمه أي مراقب للأيادي الإيرانية في المنطقة يعرف أنه لا يهمهم الحق من الباطل، وإنما المهم هو السيطرة على الحكم وإخضاع الناس لولاية الفقيه في طهران.
كانت المعارضة البحرينية تدعي المظلومية شأنها شأن كل عملاء المد الصفوي. كل حادثة شغب وتهديد للأمن كانت تفسر من خلال أشرطة يصورونها في شوارع قراهم، ويدعون صحتها. كانوا يبعثون بالأشرطة في مقابل ثمن بخس تدفعه قناتا العالم والمنار ومن على شاكلتهما. بلع كثيرون الطعم، ونسوا أن هناك قتلى من الشعب المسكين ومن رجال الأمن، وكان العملاء يظهرون على الشاشات ويتكلمون بنبرة المظلوم المكلوم المقهور، لكن الله فاضحهم.
وضع العملاء قنبلة وزنها كيلوجرامان في مسجد داخل الجزء الذي يتبع البحرين من جسر الملك فهد. فكرة تفجير الجسر هي أكبر اعتداء على أمن البحرين واقتصادها ومجتمعها وشعبها. الأمر الذي يستدعي أن تعود الحكومة البحرينية لدراسة طريقة تعاملها مع هؤلاء، ووضع أمن الدولة والمواطن والاقتصاد والعلاقة الاستراتيجية مع الجيران في المقدمة، ومن ثم تعيد صياغة استراتيجيتها الأمنية في مواجهة العملاء الخونة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي