متى تحدد خطوط الفقر في المملكة؟
نطالع بين الفينة والأخرى بيانات عن نسب الفقر والفقراء في المملكة، وتتغير هذه النسب مع اتجاهات الكتاب السياسية، حيث ترتفع بالنسبة للمعارضين لسياسات المملكة وتنخفض بشدة أو تنعدم بالنسبة لآخرين. وتتفاوت خطوط الفقر بشدة بين الكتاب، حيث من الصعب وجود اتفاق بين كاتبين على خط فقر معين للمملكة، وكثير من الكتاب يتحدثون عن خط فقر، لكن لا يذكرونه. ويرجع الاختلاف الشديد بين الكتاب لغايات وميول شخصية أو دعائية، ولعدم وجود خطوط فقر رسمية معينة. وعموماً لا يوجد في الوقت الحالي خط فقر رسمي؛ ولهذا فإن أية نسبة فقر أو خطوط فقر منشورة للمملكة مبنية على آراء واجتهادات شخصية، وتتأرجح في كل الاتجاهات. ويتم في العادة تبني خطوط الفقر في دول العالم من قبل أعلى الجهات التشريعية والتنفيذية، وذلك بعد إجراء الدراسات والمشاورات اللازمة بين الجهات الحكومية المختلفة، وبعد تبني معايير معينة لخطوط الفقر يتم تحديثها بشكل دوري من الجهات الإحصائية.
لقد تبنت المملكة منذ تأسيسها سياسات تهدف للقضاء على الفقر وإعانة الفقراء. ومع كل الجهود التي بذلت في السنوات الماضية لمحاربة الفقر، لا يوجد حتى الوقت الحالي في المملكة تعريف رسمي محدد لمستويات أو خطوط الفقر النسبية التي يتم بموجبها تحديد نسبة الفقر. وتوجد إشارات ضمنية لمستويات الفقر النسبية من خلال برامج شبكات الحماية الاجتماعية والمتمثلة بصورة رئيسة في مخصصات الضمان الاجتماعي التي حددت حجم الإعانات المقدمة للأسر والأفراد المحتاجين.
وتحدد الأسر أو الأفراد المتلقون لإعانات الضمان الاجتماعي على أسس العجز أو الحاجة أو عدم وجود عائل، وليس على أساس دخل محدد أو خط للفقر. وتحديد خطوط الفقر النسبية في المملكة سيساعد على تحديد حجم الفقر وتوزيعه، ومن ثم سيساعد على تبني السياسات والإجراءات اللازمة لمكافحته. ولتحديد خطوط الفقر من الأجدى عقد مؤتمر أو ندوة وطنية تضم المتخصصين وذوي العلاقة، سواء في المؤسسات الرسمية أو خارجها، بما في ذلك عينة من الفقراء، حيث ينبغي في هذه الندوة دراسة وتبني حد أدنى لتكاليف البنود الضرورية لمعيشة الأفراد والأسر. وتشمل هذه البنود الغذاء الأساسي والاحتياجات الأخرى الضرورية من سكن وملابس ورعاية طبية والتي تضمن الخروج من دائرة الفقر. كما ينبغي تعديل خطوط الفقر بصورة دورية؛ وذلك لتلافي تأثير التضخم في إنفاق الفقراء. ويتحمل مجلس الشورى مسؤولية إنسانية ودينية كبيرة في قضية تحديد خطوط الفقر في المملكة، حيث يمكن أن ينظم مؤتمراً وطنياً حول خطوط الفقر، ثم يناقش نتائج هذا المؤتمر ويقرّ نتائجه بعد إجراء التعديلات التي يراها تتناسب مع ظروف وإمكانات المملكة، وذلك من أجل تحديد نسب الفقر ومستوياته والإسراع في تحديد الفقراء وأماكن وجودهم، وسن السياسات اللازمة وتفعيلها للتصدي للفقر ودعم الفقراء.
وسيترتب على تبني خطوط الفقر ضرورة دعم من يقل دخلهم عن مستوى معين، بما في ذلك تعديل بعض السياسات القائمة في الوقت الحالي، التي لا تأخذ في الحسبان مكافحة الفقر. ومن هذه السياسات مثلاً بعض السياسات المتعلقة بالأجور والرواتب، وكذلك إعادة توجيه الدعم بشكل إجمالي لاستهداف الفقراء. فتحديد خط نسبي للفقر يتطلب وضع حد أدنى للأجور لا يقل عن خط الفقر للفرد. فإذا ما حدد خط الفقر للفرد مثلاً بمخصصات الضمان الاجتماعي، فإن هذا يعني ضرورة النظر في وضع حد أدنى للأجور لا يقل عن الحد الأدنى لمخصصات الضمان الاجتماعي، البالغة 862 ريالاً في الشهر. وهذا المستوى أعلى من أجور عدد كبير من العمالة الأجنبية المقيمة بصورة شرعية التي يعمل بعضها بأجور تقل عن هذا المستوى. وتمت إعادة النظر في مستوى الأجور والرواتب الحكومية للأفراد؛ ما ساعد الأفراد الذين يعولون أسراً كثيرة على الخروج من دائرة الفقر. ونجح هذا الرفع في زيادة دخل الأسر التي يقل عدد أفرادها عن ثمانية أفراد عن مستويات الدخل الذي يدفعه الضمان الاجتماعي.
وترتفع الحاجة إلى فرض حد أدنى للرواتب في القطاع الخاص مماثل لنظيره في القطاع الحكومي؛ وذلك لتوفير حد أدنى من الدخل لملايين العاملين في القطاع الخاص. وإضافة إلى ذلك تتطلب مكافحة الفقر إعادة النظر في الحدود الدنيا لمخصصات التأمينات الاجتماعية والتقاعد بالنسبة لمعيلي الأسر كبيرة.
ويمكن تحديد خط أو حد الفقر كنسبة من الناتج المحلي للفرد، لكن تواجه المملكة معضلة تقلب أسعار النفط، ما سيقود في حالة استخدام نسبة من الناتج المحلي إلى تقلبات كبيرة في خطوط الفقر. وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 78906 ريالات في عام 2011 (قبل تعديل الحسابات القومية الأخير)، وإذا ما تم تحديد خط الفقر عند نحو 23 في المائة من الناتج المحلي للفرد الواحد (نسبة حد الفقر إلى الناتج المحلي للفرد الأمريكي) 80 في المائة من الناتج المحلي للفرد بالنسبة للعائلة المكونة من ثمانية أفراد، فإن خطوط الفقر في المملكة ستبلغ 18149 ريالاً للفرد الواحد، و63125 ريالاً بالنسبة للأسر المكونة من ثمانية أفراد في عام 2011. ونظراً للتقلبات الكبيرة في أسعار النفط وتحويل جزء كبير من إيراداته إلى احتياطيات الدولة في حالة ارتفاعها، فإن استخدام الناتج المحلي الكلي للفرد سيتسبب بتقلبات كبيرة في مستويات الفقر. وللتغلب على هذه المعضلة يمكن استخدام الناتج المحلي غير النفطي للفرد كمعيار لحساب خطوط الفقر النسبية. وفي حال استخدام نصف الناتج المحلي غير النفطي كخط فقر للفرد الواحد، 150 في المائة من الناتج المحلي غير النفطي للفرد كخط فقر للأسر المكونة من ثمانية أفراد، فسينخفض حد الفقر للفرد الواحد إلى 16443 ريالاً في السنة ويصل إلى 49329 ريالاً للعائلة المكونة من ثمانية أفراد.