الجنادرية وقطار الحرمين

استضافتني قناة الإخبارية في برنامج '' قلم يتحدث'' الحواري. كان اللقاء في مركز الملك فهد الثقافي. يقع المركز في مكان يتوسط مدينة الرياض، ويحوي قاعات مجهزة ومساحات مفتوحة ذات تصميم وتنفيذ راقيين. حاولت ذات أمسية أن أصل إلى المركز عندما كانت تعرض فيه إحدى المسرحيات، ورغم وصولي قبل موعد العرض بساعتين تقريباً، إلا أنني لم أتمكن من الدخول، وكان المدخل مغلقاً على مسافة تتجاوز الكيلو متر عن موقع المبنى الرئيس. عرضت تلك المسرحية لأسبوعين متتاليين، وقيل لي إن الإقبال في المرة الثانية كان أكبر منه في الأولى.
أتوقع أن يدفع الراغبون في مشاهدة العرض قيمة التذكرة حتى لو وصلت 50 ريالاً، حكماً على الأعداد الكبيرة التي كانت في الموقع. كان السؤال الذي ألح عليّ هو: لماذا لم تعرض المسرحية عشر مرات أو 20 مرة، أو يستمر العرض ما دام هناك إقبال؟ الواقع أنه يمكن أن تغطي إدارة المركز تكاليف المسرحية، وتقدم مكافآت سخية للمشاركين من دخل تلك المسرحيات.
أتحسر على ذلك الموقع وما فيه من الإمكانات التي لو استغلت لساهمت في إيجاد جو ثقافي واجتماعي تفتقده العاصمة وأغلبية مدن المملكة. أظن أن قرار إضافة اسم الثقافة إلى وزارة الإعلام، يجب أن يظهر على أرض الواقع من خلال إيجاد الحراك المسرحي والثقافي والأدبي، ونشره في كل مدن المملكة.
هناك الكثير من المواقع المجهزة والإمكانات المهدرة التي افترض منشئوها والمخططون لها أن تكون وسائل لتغيير وجه المدن وإعطائها روحاً تميزها. كلما أدخل برج مياه الخرج – مثلاً – وأتخيل الكم الذي أنفق على حدائقه ومطعمه الدوار المجهز بأحدث الأثاث، أسأل السؤال نفسه: لماذا لا يستثمر البرج؟ وأسمع الإجابة نفسها: سيكون ذلك قريباً. البرج عمره الآن 30 سنة وهو لا يزال تحت التمحيص، هل يفتح للجمهور أم يبقى حكراً على ضيوف وزارة المياه والدوائر الحكومية كوسيلة لكسب ''جميلة'' على المسؤولين في المحافظة.
يجذبني الحديث في استثمار المرافق التي أنفقت عليها الدولة بسخاء، وكان مؤملاً أن يستفيد منها المواطن، ويتبادر إلى ذهني في مقدمتها القرية التراثية في الجنادرية, وهي قرية نموذجية تمثل كل مناطق المملكة. تحتوي على كل التجهيزات، والمباني، والخدمات. تقع بعيداً عن الازدحام وقريبة من مدينة يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين نسمة. تنفق عليها الدولة مبالغ كبيرة ويتم تحديث مكوناتها كل عام.
أستغرب كيف يفوت على منظمي هذه القرية أن يتم تحويلها إلى قرية سياحية تنشط طول العام. إن ما نشاهده من ازدحام يومي أثناء مهرجان التراث والثقافة الذي يستمر أسبوعين فقط، يعطي الحافز لمن يريد أن يستثمر في هذه القرية، ويقوم بإدارتها وضمان استمرار عملها طول العام. يمكن أن تعمل هذه القرية ومطاعمها ومتاحفها من خلال طرح إدارتها وتشغيلها على المستثمرين بما يضمن أن تدار بشكل اقتصادي.
يشجع على هذا التوجه ما نشاهده في دول العالم التي تبني قرى كهذه كوسيلة لدعم السياحة والترويح والتعريف بماضي تلك الدول. تعتبر القرية التراثية في الجنادرية من أكبر القرى التراثية التي شاهدتها. يضاف إلى ذلك أنها تضم أكثر من 20 مطعما ومثلها من المتاحف، ويمكن بتعديلات بسيطة تشغيلها طول العام. وأنا واثق أنها ستكون من أنجح المدن السياحية في العالم. ومثل الجنادرية عدد كبير من القرى التراثية والمواقع الثقافية والدينية التي تحتاج إلى دراسة وتنظيم لتكون وجهات سياحية للمواطنين والمقيمين. الأكيد أن المملكة من أكثر الدول ثراء في مجال التراث والثقافة التي يمكن أن تبرزها هذه المنشآت عند بنائها وتجهيزها وإدارتها بالشكل اللائق.
يبقى الحس الاستثماري لمكونات الدولة والمنشآت التي لا تستغل بشكل اقتصادي يدر على الدولة دخلاً إضافياً، من الأمور المقلقة. إلا أن من أكثر تلك المنشآت إزعاجاً للمراقب، هي المنشآت التي تكلف صيانتها مبالغ كبيرة وتتأثر كفاءتها بسبب عدم الاستخدام. هذه المنشآت تكون عبئاً إضافياً في الوقت الحاضر رغم أنه يمكن أن تحقق مردودا ماديا لو استغلت بالشكل السليم.
قطار المشاعر هو أحد الأمثلة المهمة. ليس هناك ما يبرر بناء سكة حديد وتجهيزها وتوظيف عدد كبير من الأشخاص في التشغيل والصيانة، ثم يستفاد منها لمدة لا تتجاوز أسبوعين في السنة. يحدث هذا رغم أن مدينة مكة المكرمة مجهزة بعدد كبير من الأنفاق، ويدخلها للعمرة والحج ما يقارب تسعة ملايين شخص طول العام. إن إيجاد خط داخل مدينة مكة المكرمة يخدم المتجهين للحرم الشريف، يعتبر أولوية، وأظنه أكثر أهمية من إيجاد خط ثان في منطقة المشاعر. ذلك أن القطارات والعاملين فيها وتكاليف صيانتها وتشغيلها ستزداد بسبب تكدسها وعدم تشغيلها باستمرار، يضاف إلى هذا أن الموظفين ستنخفض كفاءتهم نتيجة الفترة الطويلة التي يقضونها خارج إطار التشغيل الفعلي للقطارات.
هذه أمثلة سقتها بغرض استفزاز كوامن القارئ ليسهم في البحث عن مثل هذه المنشآت التي يمكن أن تتحول إلى مواقع ترفيهية وسياحية وثقافية، إلا أنها تبقى مغلقة في وجه الجمهور بأي حجة كانت. يبقى المؤمل من وزارة الثقافة والإعلام والهيئة العامة للسياحة والآثار والأمانات والبلديات وممثليات الوزارات في المناطق أن تتبنى فكرة تحويل المنشآت والمراكز التي أقامتها الدولة إلى كيانات ربحية يستفيد منها المواطنون، وتقديم خطط ملائمة للاستفادة منها، إضافة إلى إبراز ما تتميز به كل منطقة من تراث وثقافة وتاريخ وجغرافيا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي