التعليم الإلكتروني وتعزيز مجتمع المعرفة يبدأ من التعليم العام
انعقد المؤتمر الثالث للتعليم الإلكتروني والتعليم عن بُعد، الذي تنظمه وزارة التعليم العالي بإشراف مركز التعليم الإلكتروني والتعليم عن بُعد في وزارة التعليم العالي، بمشاركة نخبة من المتحدثين البارزين من داخل المملكة وخارجها ممن لهم تجارب متميزة في هذا المجال الثري بالتعليم والمعرفة.
ليس خافيًا أن المملكة اليوم تسعى بجهود حثيثة إلى التحول إلى مجتمع المعرفة، أو ما يسمى الاقتصاد المعرفي، فمنذ فترة ليست بالقصيرة والميزانية السنوية للمملكة تستقطع جزءًا كبيرًا منها لدعم التعليم بمختلف مستوياته، سواء التعليم العام أو التعليم العالي، وحتى التعليم الفني والمهني، وهذا التوسع الكبير في بناء الجامعات وابتعاث الطلاب للخارج بعشرات الآلاف للدراسة في جامعات متميزة حول العالم، إضافة إلى دعم البحث العلمي بميزانيات ضخمة جدًا، ما هي إلا البدء بصورة جادة في تعزيز تحول المجتمع إلى مجتمع معرفي. وبطبيعة الحال، فإن التحول إلى مجتمع معرفي يهدف إلى بناء قاعدة بشرية متعلمة، لديها المهارات للابتكار وإيجاد الفرص التي تجعل المجتمع قادرًا على أن يكون مجتمعًا منتجًا، يعتمد في إنتاجيته على موارده البشرية، لا على موارده المادية، كما هو حاصل حاليًا باعتماد المملكة في ناتجها القومي بشكل رئيس على النفط، وهو سلعة ستنضب لا محالة ـــ والله أعلم ـــ خلال فترة مهما طالت. وخلال الفترة القادمة ومع الزيادة الكبيرة في عدد السكان، فإن الإنتاج السنوي قد لا يكفي لتغطية احتياج المواطنين.
كما أن مجتمع المعرفة جعل دولاً قليلة الموارد غنية بكفاءاتها البشرية، وذلك عزز من اقتصادها لتكون في مراكز متقدمة على مستوى الاقتصاد العالمي، كما هو الحال في كوريا الجنوبية وتركيا ودول أخرى في العالم؛ لذلك فإن التحول إلى مجتمع المعرفة قضية لا بد منها لتعزيز التنمية المستدامة، التي تعزز مكانة المملكة اقتصاديا، لتبقى في مراكز متقدمة بين كبرى اقتصادات العالم. خصوصًا أنها تتمتع بموارد بشرية شابة تبلغ النسبة العظمى من السكان، وهذه فرصة كبيرة.
التحول إلى مجتمع المعرفة على مستوى التعليم العالي من الواضح أن هناك جهودًا كبيرة وإنفاقًا هائلاً، ونشاطًا كبيرًا على مستوى الجامعات، لكن بناء مجتمع المعرفة يفترض أن يبدأ من الأساس وهو من خلال التعليم العام، ولا شك أن التعليم العام اليوم يحظى هو الآخر بدعم كبير بإنفاق هائل، انعكس على جوانب متعددة مثل بناء المدارس وتطوير مجموعة من المناهج الدراسية، لكن الأهم في معادلة التعليم العام هو المعلم؛ إذ إنه حاليًا مركز العملية التعليمية في المدارس، لذلك فإن عملية التحول إلى مجتمع المعرفة لا بد أن تكون جزءًا من أهداف كل معلم ومدرسة، ومن المهم تطوير المعلم قبل أي خطوة أخرى في هذا المجال.
تطوير المعلم يبدأ من نشر المعرفة بالأدوات التعليمية الحديثة، والتطور الهائل الذي يشهده التعليم اليوم؛ لذلك من المهم أن يتم التركيز على برنامج مكثف لتطوير مهارات المعلم تبدأ من خلال مسارين، الأول برنامج تأهيلي للمعلمين الجدد قبل التحاقهم بالتعليم في المدارس، من خلال تقديم جرعات مكثفة من البرامج والدورات قد تمتد إلى فصل دراسي كامل، والمسار الآخر تطوير الكوادر الحالية، بحيث يتم تقديم دورات لهم وبناء قدراتهم ومهاراتهم في مجال التعليم بنسبة لا تقل عن 10 في المائة من كل مدرسة في المملكة خلال السنوات الخمس الأولى من هذا البرنامج، وذلك من خلال اختيار النخبة من المعلمين في كل مدرسة؛ وذلك بهدف نشر هذه المعرفة بين زملائهم مستقبلاً.
من المهم أيضًا إقامة ملتقيات علمية ومؤتمرات تدرس الحالة العامة للتعليم العام في المملكة، وتعرض التجارب المتميزة حول العالم، وتستقطب خبراء لنشر تجاربهم العلمية في هذا المجال. كما أنه من المهم أيضًا إقامة هذه الملتقيات العلمية لتعزيز التواصل بين المعلمين وتبادل الخبرات الشخصية لهم في مجال تطوير التعليم وتقديم جوائز وشهادات تقدير للمعلمين المتميزين.
كما أنه من المهم توفير الأدوات التي تعزز نشر المعرفة من خلال التعليم الإلكتروني، وذلك بأن يكون لمؤسسة التعليم العام مركز لتطوير البرامج التعليمية في شكل تطبيقات يمكن الوصول إليها من خلال أنظمة الأجهزة الحديثة، مثل نظام أبل في الأجهزة اللوحية الآيباد والآيبود تاتش، إضافة إلى نظام الأندرويد، ونظام ويندوز الحديث، ومن المهم التفكير بجدية في مسألة تحول الطالب إلى استخدام الأجهزة اللوحية بدلاً من الورق، حيث أصبح بعض الأجهزة رخيصة إلى درجة أنه قد لا يكلف أكثر من قيمة الكتب التي توزع على الطلاب سنويًا، فضلاً عما يتكلفه الطالب من الورق والأقلام وغيرها، وهذه الطريقة تعزيز ما يسمى التعليم بالترفيه.
الخلاصة، أن التحول إلى مجتمع المعرفة ينبغي أن يبدأ بصورة رئيسة من خلال التعليم العام من خلال تطوير المعلم وتوفير الأدوات المساعدة التي تعزيز التعليم من خلال التقنية والتعليم بالترفيه.