رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حرية الصحافة

أصدرت منظمة ''مراسلون بلا حدود'' قائمتها السنوية لحرية الصحافة في 176 دولة. حصلت الدول العربية بشكل عام على مواقع بعد المائة ما عدا موريتانيا (67) والكويت (77). أوروبا احتلت ـــ كالعادة ـــ المراكز المتقدمة. حصلت سورية على المركز الأخير لأسباب عدة، أهمها أنها كانت الأكثر دموية في التعامل مع الصحافيين والمراسلين الإلكترونيين. لكن الأهم ـــ في رأيي ـــ أن الإعلام السوري يقدم معلوماته بطريقة توحي بأن المتلقي غبي لدرجة التخلف العقلي، ويعلم أن المتلقي ليس كذلك. فهو يكذب ويعلم أنه يكذب والمشاهد يعلم أنه يكذب، فأصبح في خانة جديدة ليس لها تصنيف.

عندما قرأت القائمة أدركت أن حرية الصحافة غير المحدودة، ليست في مصلحة الدولة. السبب بسيط، وهو أن أغلبية الدول المتقدمة في التصنيف تقع تحت اسم ''دول الضياع'' في رأيي. الضياع بمعنى عدم قدرة الأسرة على المحافظة على مكوناتها من الوقوع تحت تأثير ما تبثه وسائل الإعلام، بسلبيته وإيجابيته.

الحرية الكاملة تستدعي أن يكون هناك مستوى معين من الوعي والفهم العام، والقناعات المؤصلة التي يمكن أن يدافع عنها صاحبها؛ لأنه تبناها بعد فحص وتدقيق بين البدائل. وهو أمر لا يتوافر في كثير من مجتمعاتنا. يستدعي الترويج للحرية الصحافية أن تكون الصحافة نفسها في مستوى المسؤولية وتقدير خطورة ما تبثه على الفئات الأكثر تأثرًا. هذا لا يعني أنني ضد حرية الصحافة، لكنني ممن يؤمنون بأنه لا يمكن أن تكون هناك حرية دون حدود.

لكننا في العالم العربي لا نزال نعاني عقدة الاعتقاد بأن الإعلام يمكن أن يغيّر أو يلمّع واقعًا غير مرغوب. هذه حالة فصام تعيشها الجهات المسؤولة عن تنظيم ومراقبة وإدارة الإعلام الرسمي. حقائق يجب أن تتجاوزها هذه الجهات لتعيش في واقع يختلف تمامًا عما كان موجودًا في بداية العام الذي نعيش فيه، بمعنى واقع سريع التغير.

مسؤولية الجهات المنظمة للإعلام تبدأ من استيعاب كل المؤثرات الموجودة في الساحة. هناك الإنترنت التي اخترقت كل مجتمع، بل كل بيت. مكونات الإنترنت من مواقع تواصل اجتماعي كـ''تويتر'' و''فيسبوك'' تعتبر المؤثر الأكبر في الوعي الجمعي في عالمنا العربي، بل العالم كله. عندما يعلم منظرو ومنظمو الإعلام في دولة مثل المملكة أن هناك أكثر من 20 في المائة من الشعب يستخدمون ''تويتر''، ومثلهم يستخدمون ''فيسبوك'' في تواصلهم، فإنهم لا بد أن يعيدوا تقييم أولوياتهم وأساليب عملهم.

الأهم من هذا كله هو أن مستخدمي برنامج ''واتساب'' يعادلون ضعف مستخدمي تلك المواقع. الـ''واتساب'' ـــ كما هو معلوم ـــ برنامج اجتماعي لتبادل النصوص وتكوين المجموعات التي تبقى ضمن قائمة محدودة غير مرئية لمن هم خارجها ''مقارنة بمواقع الإنترنت''. يستخدم السعوديون هذا البرنامج بشكل يومي، حيث يمتلك 60 في المائة من مستخدمي شبكة الجوال جهازًا ذكيًا، ويزيد انتشار هذه الأجهزة بين فئة الشباب بنسبة تزيد على 70 في المائة. جميع مستخدمي الأجهزة الذكية ـــ تقريبًا ـــ يستخدمون برنامج ''واتساب''.

يعلم كل مستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي و''واتساب'' أن نسبة المحتوى الإخباري في هذه المواقع من 30 إلى 40 في المائة، سواء كان موجهًا أم لا. يضاف إلى هذا ما نسبته 10 إلى 15 في المائة من الترويج لمفاهيم وآراء وتوجهات معينة. تبقى النسبة الباقية لأمور مثل الترفيه والتواصل وغيرها.

لو قارنا هذا الكم الهائل من المعلومات والعدد الكبير من المتلقين، بما تحظى به وسائل الإعلام المعتادة من صحافة وإذاعة وتلفزيون، لاتضح حجم التأثير الافتراضي في المجتمع. فإذا أضفنا إلى ذلك مجموعة القنوات الإعلامية القادمة من الخارج، سواء كانت أجنبية أو خاصة، وهي تبث بطريقة احترافية وتوجه رسائل تخدم أهدافها، نكون قد وقفنا على حجم الأزمة الإعلامية التي تواجهها وسائل الإعلام المحافظة والرسمية.

إن استمرار النمط الإعلامي القائم على قناعات عفا عليها الزمن، وعدم الاستفادة من التقنيات الحديثة، وبقاء المحتوى والشكل الإعلامي على بيروقراطيته المعروفة، واستمرار خسارة وسائل الإعلام لمزيد من الإعلاميين المتمكنين بسبب المحافظة على أنماط وطرق عرض لا تناسب العصر وانعدام الحوافز والمضايقات، لا يحقق إلا مزيدًا من التباعد بين وسائل الإعلام وجمهور المتلقين. هذا يعني أن المزيد من المشاهدين سيتجهون إلى وسائل إعلام ''غير رسمية''. كما يعني أن الرسائل الإعلامية المراد إيصالها ستغيب وتحضر نيابة عنها رسائل مشكِّكة، ومثيرة للعواطف والانتماءات والفئات بدل نشر وحماية الوحدة الوطنية.

من المسؤول عن إصلاح الوضع؟ أظن أن السؤال مشروع ومنطقي، وأنه لا بد أن يدرس في المجلس الأعلى للإعلام أو ما يعادله. إن دور المجلس ووزارة الثقافة والإعلام في تخطيط المحتوى الإعلامي الذي يصل إلى الجمهور وتقنينه ومراقبته، يجب أن يدعم. كما يجب أن تعمل الوزارة على تخصيص وسائل الإعلام بحيث تبقي على دورها الأساس، وهو ضمان وجود إعلام يعزز ويهتم بثوابت الوطن، لكن بصيغة احترافية قادرة على البقاء في هذا الجو شديد التنافسية.

وجود الكويت في مرتبة متقدمة في التصنيف العالمي، يدعو للأمل بأن تكون هناك فرصة لتقدم الإعلام السعودي في التصنيف العالمي، خصوصًا أننا نشاهد ما يبث على القنوات الكويتية، ونتابع الصحافة الكويتية وهما ـــ في رأيي ـــ على مستوى مقبول بمعايير إعلامنا، إلا أن هناك محاولات للتطوير والانفتاح بما يناسب المتلقي. تأسيس هيئة للإذاعة والتلفزيون، يجعل الأمل أكبر في حدوث تغيير مهم لدينا؛ لأنها تستطيع أن تحقق التغيير المأمول المبني على جاذبية الرسالة شكلاً ومضمونًا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي