موضي في الملاعب
يعشق كثير من السعوديين في وسائط الإعلام الجديد، دحرجة كرة الثلج، بلا هدى ولا وجهة مقصودة، فقط الدحرجة مع المدحرجين، الذين يتوافدون زرافات ووحدانا خلف هاشتاق مكذوب أو يوتيوب معنون بـ ''فضيحة''، يمارسون فيه أعلى درجات جلد الذات.
البارحة الأولى احتضنت مدينة نيو أورليانز الحدث الرياضي الأكبر على مستوى الولايات المتحدة، مباراة السوبر بول بين فورتي ناينيرز سان فرانسيسكو وبالتيمور رايفنز، المباراة العظمى التي يترقبها الأمريكان، تتسابق قبلها كبريات الشركات لإطلاق حملاتها الإعلانية الضخمة في مختلف الوسائل الإعلامية، حتى أن نصف دقيقة الإعلان تباع بأكثر من أربعة ملايين دولار. فجأة وفي الشوط الثالث انقطعت الكهرباء واستمرت لمدة 45 دقيقة، في هذه الأثناء تعامل كل المحللين مع الحدث بهدوء، لم يمارسوا سخرية فجّة، ولا تقريعا مبالغا، ولم يجلدوا ذواتهم.
أمريكا أكبر بلد في العالم، مجتمع متحضر يحكمه القانون في كل سكنة وحركة، لا ترتفع فيه رقبة عن مظلته إلا وارتخت، قال عنه الشيخ محمد عبده، بعد جولة شملت أوروبا أيضا: ''رأيت هناك إسلاما بلا مسلمين''، تعرضت مدينتان من أكبر مدنه نيويورك ونيو جيرسي، إلى سيول جارفة قبل أشهر قطعت الكهرباء عن منطقة نيويورك سيتي ستة أيام، وهدمت جسور، وأغلقت أنفاق وعلق عمل المطار يومين، فماذا قال الشعب المتحضر؟ وكيف تصرف؟، أغلب الأطروحات ذهبت في طريق إيجاد حلول، لم توزع التهم، ولم يتهم أحد بالفساد جزافا، ولم تبتكر نُكت وطرف تؤلم المستهدفين بها. ضمن الحلول التي طرحها الأمريكان أن هذه السيول لا تأتي إلا كل خمس سنوات، فلماذا نصرف أموالا هائلة لمواجهتها؟، لماذا لا نكتفي بإغلاق مناطق الخطر حتى تزول العاصفة ونوجه هذه الأموال إلى التعليم والصحة والرياضة؟.
الرسائل الفنية التي وجهها الأمريكيون لبعضهم في الحدثين، تضمنت كمية كبيرة من الوعي، وجنحت إلى تفتيت كرة الثلج لا دحرجتها، وغلب عليها الهدوء ومحاولة السيطرة على الموقف.
لا أزعم أن بلادنا خالية من الفساد، وإلا لما أُنشئت هيئة مكافحته، لكن تهمَهُ أصبحت تطلق بلا حسيب ولا رادع، تصيب الغافلين والمذنبين، ولا أزعم أن كل الأطروحات المصاحبة افتقدت للحكمة والرأي السديد، لكن أغلبها مارست جلدا للذات يفقد المسيرة الوصول إلى الهدف والغاية والإصلاح.
حينما كسى السواد البارحة ملعب نيو أورليانز، مع انقطاع الكهرباء، تذكرت الحادثة المشابهة في مباراة السعودية والكويت قبل سنوات، والاتفاق والهلال قبيل أيام، وما صاحب الحدثين المحليين من تعليقات وصلت حد السماجة أحيانا، ومارست أشد حالات التقريع وجلد الذات، حاولت المقارنة بين تفاصيل الحدثين، وجدت تطابقا تاما هنا وهناك، واختلافا في ردة الفعل. ولم يزد الحدث الأمريكي عن نظيره السعودي إلا في شيء واحد فقط، أن بين شوطي مباراة السوبر بول، كانت المطربة السمراء الفاتنة العالمية بيونسي نولز تغني للجماهير، وهو فرق يسهل تجاوزه بدعوة السمراء المحلية المليحة موضي بين شوطي أي مباراة لدينا ينقطع تيار الكهرباء فيها.