رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أعطوا الأجير أجره

فوجئت بعمال فلبينيين متعاقدين مع إحدى الشركات المتعاملة مع إحدى الجهات الحكومية يقومون بأعمال من قبيل التنظيف والصيانة بعد نهاية دوامهم في الشركة. مصدر استغرابي هو أن حاملي هذه الجنسية ليسوا ممن تعودت أن أراهم على نواصي الشوارع، يطاردون السيارات للحصول على أي عمل مؤقت يدر عليهم أي مبلغ من المال يسدون به حاجتهم.
سألت كبيرهم عن سبب ممارسة هذه المخالفة الواضحة للنظام، فشكا من أن الشركة التي توظفهم وعدتهم براتب يبلغ 1500 ريال، لكنها لم تف بوعودها إنما تدفع لهم نصف المبلغ. عجبت، لأنهم لم يشكوا الشركة لمكتب العمل أو الجهة التي تعاقدت معها الشركة، إلا أنه قال: إن وعود الشركة كانت شفهية، ولم يوقعوا أي وثيقة تحدد رواتبهم.
هذه الحالة، إضافة إلى حصول الشركة على عدد من التأشيرات يفوق ما تستخدمه من العمالة، من الأسباب التي تسهم فيما نراه من عدم توازن في سوق العمل. العمالة التي تجوب الشوارع، وبمرور الوقت تؤسس لنفسها كيانات منافسة في السوق، ليخرجوا المواطنين من أصحاب المؤسسات. أبرز مجالات أعمالها البقالة، والمغاسل، والمقاولات.
شاهدت بالأمس ما يمكن اعتباره إضرابا كبيرا في مشروع مركز الملك عبد الله المالي. شارك في الإضراب أعداد كبيرة ممن يعملون في شركات تنفذ أجزاء المشروع المختلفة. وقبلها أضرب عمال شركة متعاقدة على نقل الطالبات في مدينة الطائف مع وزارة التربية والتعليم.
المعلوم أن هذه الشركات تتعامل مع الدولة، وهي مرتبطة بشروط في العقد تلزمها بدفع مستحقات عمالها، وأنها تحت طائلة العقاب إن لم تفعل. يضاف إلى ذلك أن الجهة المسؤولة عن صرف مستحقات الشركات مطالبة بالتأكد من وجود ما يثبت صرف مستحقات العاملين قبل صرف المسيرات أو الدفعات.
على من تقع مسؤولية حماية الوطن من هذه السلوكيات السيئة؟ وما الطريقة المثلى للتخلص من التجاوزات التي قد تتطور وتتحول إلى حالة مشابهة لما حدث في إمارة دبي قبل نحو سبع سنوات عندما كاد العمال الجهديون أن يسببوا ثورة داخل الإمارة، بسبب سوء ظروفهم المعيشية، عندما كانوا يسكنون خارج المدن في مدن من الصفيح تشبه ما يعرف بـ (سويتو) في جنوب إفريقيا.
أعتقد أن من المهم أن نتفهم خطورة هذه المشكلة قبل اعتماد حلول قد لا تلائم الوضع الذي نريد علاجه. يجب أن نحدد المشكلة وأبعادها وحجمها وأثرها المستقبلي في اقتصاد المملكة وأمنها. هذا مجهود يحتاج إلى تعاون من الجهات الأمنية والجهات الرقابية والجهات المنظمة لشؤون العمالة والغرف التجارية.
المعروف أن المملكة تفقد كل عام نسبة من قدرتها على جذب العمالة المتميزة. هذه العمالة تهرب من نظام الكفالة، ومن الرواتب المتدنية، ومن ظروف العمل السيئة. يضاف إلى هذا أننا سنفقد المزيد من المؤهَّلين إن عادت وزارة العمل إلى التفكير في فرض ضريبة العمالة الأجنبية بالشكل الذي كانت تنوي تطبيقه، الذي لا يفرق بين الوظائف التي يحتاج إليها الاقتصاد والوظائف التي لا يحتاج إليها. هذا العنصر من المشكلة لا يمكن إغفاله.
تحتاج مكاتب العمل إلى سن قوانين وضوابط وتطبيق فوري على المخالفات التي تمس حقوق العمالة. يجب أن يكون نظام الغرامات أكثر شدة، بحيث يضمن عدم تجاوز الكفلاء على حقوق هؤلاء العمال، مع العلم أن الكثير منهم يخافون من الدخول في جدل مع كفلائهم، لأنهم سيكونون عرضة للتسفير، فهم عندما يشكون مطالبين بحقوقهم يكونون قد وصلوا إلى طريق مسدود، يجب أن تسهم المكاتب في عدم الوصول إليه.
محاربة التستر هو العنصر الأهم في هذه العملية. التستر أكبر عامل يضر اقتصاد المملكة من خلال التحويلات المالية غير المقننة، ويحرم المواطنين من فرص العمل الكريمة. التستر هو العنصر الذي يجعل شخصا قادما على تأشيرة عامل يمتلك محطات الوقود، والمصانع والورش ويعطي كفيله الفتات مقابلها. أذكر أنني سمعت أن أحد الأجانب قدم سيارة "مرسيدس" لابن كفيله بمناسبة زواجه. هذا الكفيل يحصل على عشرة آلاف ريال من هذا العامل الذي يمتلك أكثر من خمس محطات للوقود.
هذا يستدعي أن تكون الحرب على التستر حربا وطنية. تبدأ بأولئك الذين يسيطرون على الأسواق، والمصانع والشركات والورش. تضاف إليها إعادة دراسة نظام الاستثمار الأجنبي الذي يسهم في خسارة الاقتصاد مليارات الريالات سنويا. يجب أن تسهم كل الجهات الأمنية والرقابية والمواطنين في هذه الحرب. يمكن أن يكافأ المبلّغون عن هذه المخالفة الخطيرة مكافآت مجزية. قرأت قبل أيام أن مكافأة الإبلاغ عن مروجي المخدرات تعادل نصف قيمة الكمية المضبوطة. فلم لا تكون مكافآت المبلّغين عن حالات التستر من النوع الذي يدفع الناس للإبلاغ؟ يمكن أن يضاف إلى هذه الجزئية حرمان المتسترين من السجلات التجارية لفترات معينة، وقوانين أكثر حماية للاقتصاد.
يشاهد كل من يسافر للخارج ارتفاع درجة حماية الدول لاقتصاداتها. حتى إنه في أغلبية دول العالم لا يمكن أن تخرج بمبالغ تزيد على تلك التي دخلت بها، ويعتبر عدم إبلاغ المسافر عن قيمة محددة من المال جريمة يعاقب عليها القانون. رغم هذا نجد أن المواطنين لدينا يسهمون في تهريب الأموال مقابل الحصول على مبالغ زهيدة، دون وجود ما يردعهم.
إن ضبط التعامل مع المقيمين يستدعي أن يأخذ كل ذي حق حقه. فصاحب العمل يستقدم ما يحتاج إليه من العمالة لتنفيذ أعماله المشروعة حسب الأنظمة، والدولة تحافظ على اقتصادها وأمن المواطن والمقيم، والمتعاقد ينفذ الأعمال التي تعاقد على تنفيذها فقط ويحصل في المقابل على أجرة محددة في عقده.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي