المقبول والمتروك في أمطار تبوك
قرأ الجميع أخبار الأمطار، وما نتج عنها من سيول أدت لكمٍّ غير قليل من الخسائر المادية والإصابات في السكان، أسوأها وفاة طفلة بسبب سقوطها من يد والدتها عندما انزلقت السيارة التي كانتا داخلها نتيجة الأمطار. لكنني لا أفهم التصريح الذي يقول إن تبوك تعيش حالة طبيعية بعد الأمطار.
كان حجم الأمطار 36 ملم، قارنها بعضهم بالفيضان الذي اجتاح أستراليا، حيث وصل حجم الأمطار المسببة له إلى 400 ملم، أي أكثر من 11 ضعفًا. يفترض البعض أنه يمكن قول أي كلام وسيصدقهم الناس. ينسى كثير من أصحاب التصريحات والتغريدات أن المتلقي اختلف تمامًا، وأن العوامل المؤثرة فيه والأخبار التي تصله تأتي من مصادر مختلفة، أكثرها تأثيرًا هي ذات الوقع النفسي الأكبر.
أفهم أن يقوم الدفاع المدني بجهود جبارة في حماية المواطنين وتنبيههم، فقد رأيت ضباطًا وأفرادًا في وسط المياه يكافحون ويدافعون وفي القوارب ينقذون. شاهدت مقاطع لعمليات الإنذار والتوجيه للساكنين في أحياء مهددة.
لكن ما لم أفهمه هو تصريح المتحدث الرسمي للدفاع المدني الذي تعدّى على أحد المواطنين بسبب تغريدة، التي كان فيها كمٌّ من التجريح، يتجاوز ما قاله المواطن. لم أفهم كيف يناديه المتحدث الرسمي بكلمة ''أيها المواطن'' وكأن صفة المواطنة أصبحت مسبَّة. لقد أساء المتحدث لجهود رجال الدفاع المدني الكبيرة بكلمة، وقد قيل سابقًا ''رب كلمة قالت لصاحبها دعني''.
أفهم أن تكون هناك لجنة للدفاع المدني مكونة من كل الجهات الحكومية ورجال الأعمال المقتدرين، وهو حال جميع مناطق المملكة ومحافظاتها، وأن تكون لهذه اللجنة أمانة توثق الخطط وتراقب الوضع وتجمع ذوي العلاقة عند الحاجة، وتنسق جهود مختلف المشاركين في الأزمات والحالات الطارئة.
لكنني لم أفهم كيف اختفت كل الخطط التي رسمتها اللجنة ولم يجد المواطنون ملجأ لهم سوى قصور الأفراح والمباني التي لا تحفظ خصوصية أحد، أو تقدم الحد الأدنى من الخدمات. لم أفهم كيف بقي معسكر الإيواء الذي تديره وزارة المالية مغلقًا في وجه الناس، بسبب عدم وجود ما يكفي من الأسرة والفرش.
لم أفهم سبب رفض الفنادق استقبال المواطنين الذين كانوا يحملون خطابات تعميد بالإسكان من فرع وزارة المالية في المنطقة، ثم لماذا لم ينسق الفرع مع هذه الجهات في الأساس لضمان قبول هذه التعاميد؟ كيف سمح لهذه المنشآت أن ترفض التعميدات دون عقوبة ملائمة أو تدخل من الجهات الأمنية ذات العلاقة؟
أفهم أن تكون هناك إشكالية في بعض المشاريع، سواء كانت الطرق أو الصرف الصحي أو تصريف السيول أو العبارات إذا كانت نسبة الأمطار تتجاوز 100 ملم.
لكنني لا أستطيع أن أتقبل أن تنهار غالبية البنية التحتية بسبب سيول منقولة لم تتجاوز كمية أمطارها 36 ملم، خصوصًا في منطقة سبق أن أعلنت قبل ستة أشهر أنها أكملت مشروع تصريف الأمطار بتكاليف تقترب من ستة مليارات.. من يستطيع أن يصدق؟!
أفهم أن تكون هناك حالات طارئة؛ لأن هذا أمر متوقع، وهو بأمر الله ـــ سبحانه وتعالى. أفهم ألا يكون من ضمن الخطط مواجهة إعصار أو فيضانات؛ لأنها ليست من طبيعة المنطقة، لكنني لا أفهم كيف تاهت الجهود واختفى التنسيق بين مختلف الجهات في أكثر حالة أقضت مضاجع السعوديين منذ عام 2009 عندما استيقظ سكان محافظة جدة على سيول مماثلة لا يزال الجميع يتذكرها وقضاياها في المحاكم إلى اليوم، وكانت بمنزلة الإنذار لكل المناطق لتأخذ حذرها.
لا أفهم كيف بنيت 919 فيلا ـــ هي مكونات مشروع الإسكان الجديد في منطقة تبوك ـــ في مجرى وادٍ، حسبما ورد في خبر نقلته صحيفة ''عكاظ'' يوم الثلاثاء؟
أفهم وأتقبل أن يأتي أمر الله بما يشاء ــــ سبحانه وتعالى، ونخضع له جميعًا ونسلّم لأمره. لكنني لا أفهم كيف بقي جميع المسؤولين يديرون الأزمة عن بعد. كيف تركت فروع الوزارات في المنطقة تواجه هذه الأزمة دون وجود أي وزير أو وكيل أو مسؤول طوارئ في أي من الوزارات؟ لماذا انحصر ما نراه من جهود في الجهات العسكرية ولم نشاهد أي مجهود على مستوى الحدث من الجهات الأخرى؟
أفهم وقد أبرر انهيار بعض الطرق وفيضان بعض العبارات، بل يمكن أن أتقبل تجمعات المياه في بعض الأحياء رغم تنفيذ مشاريع لتصريف مياه السيول فيها. إلا أنني لا يمكن أن أغفر لمن خطط وتعاقد وتسلم هذه العبارات والكباري والطرق المسفلتة قبل مدة لا تتجاوز السنتين، بينما أشاهد الكباري والعبارات التي أنشأتها الدولة العثمانية قبل أكثر من 100 سنة صامدة في وجه السيول وفيضان الأودية، هنا لا بد من وقفة محاسبة مجردة.
بنهاية اليوم تبقى نقاط مهمة لا بد من التعامل معها ومحاولة إصلاحها، ومعاقبة كل من قصّر في أداء واجبه حيال الوطن والمواطن. فالدولة لم تبخل بشيء، خصوصًا في مجال الحماية المدنية ومشاريع الصرف التي تعتبر الأكبر في تاريخ المملكة، بقي أن نتعامل مع من أهملوا في أداء الأمانة التي تولوها واستأمنهم عليها ولي الأمر. وأن نشد على أيدي مواطنين عرضوا منازلهم لسكان الأحياء المتضررة. أن نشكر من قدموا التعويض لصاحب سيارة جرفها السيل، ووقف ينظر إليها وهو يبكي. أولئك الذين وقفوا مع المتضررين في مواجهة الخطر؛ لأنهم هم الاستثمار الحقيقي والبنية التي يعتمد عليها الوطن.