رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التعليم الموازي

تعاني الأسرة السعودية من ضغط مصاريف الأبناء والبنات الذين يصلون للمرحلة الجامعية، ارتفعت متطلباتهم رغم بقاء المكافأة على حالها منذ أكثر من 30 سنة. كانت المكافأة في ذلك الوقت تكفي لسكن الطالب وطعامه وبقية مستلزماته مع دعم بسيط من الأسرة. هذه المكافأة لا تغطي تكاليف فواتير الهواتف النقالة التي يمتلك كل واحد وواحدة منهم اثنين منها - على الأقل.
يصل الأبناء للمرحلة الجامعية، إلا أن الفوارق السنية تنتهي بمجرد دخول الجامعة. يعاني الأغلبية من سوء توزيع المناهج والاضطرار لقضاء عدد أكبر من الفصول الدراسية في الجامعة لأسباب بسيطة مثل عدم إدراج بعض المواد، أو نقص عدد أعضاء هيئة التدريس في التخصص. أذكر أنه عندما كان ابني يدرس المحاسبة في جامعة أم القرى - حيث يتبع القسم كلية الشريعة التي لم أفهم سبب ربطه بها، لم تكن الكلية تعطي ما يكفي من الاهتمام لهذا التخصص لدرجة أن عدد الأساتذة الذين يحملون درجة الدكتوراه في التخصص كانوا خمسة، بل إن أحد التخصصات الفرعية كان يدرسه أستاذ واحد، يدرج المادة في فصل واحد كل عام وهذا يعني أن الخريج قد يحتاج للبقاء في الجامعة أكثر من تسعة أشهر إن لم يحالفه الحظ بوجود المادة في الفصل الذي يتخرج فيه.
بقاء الطلبة لفترات أطول وزيادة التزامات أسرهم المادية، يشكل ضغطا كبيرا على ميزانية الأسرة. مهم جدا أن تبحث الجامعات مع وزارة التعليم العالي وسيلة لدعم الطلبة ماديا سواء كانت بزيادة المكافأة أو بتوفير بدل السكن والكتب والمواصلات للجميع.
تتجاوز تكلفة الطالب الواحد الذي يدرس في الخارج تكلفة 20 طالبا في الداخل. هذا يستدعي إعادة النظر في الابتعاث الخارجي، والاستعاضة عنه بالابتعاث الداخلي، خصوصا أن الطالب في الجامعات الخاصة لدينا تقل تكلفته على الدولة من تكلفة الطالب في الجامعات الحكومية، إذا ما قارنا عدد الطلبة بميزانيات الجامعات المتضخمة سنويا، وعدم وجود بدائل تصرف منها الجامعات على نفسها، ما يعني أنها ستستمر في الاعتماد على الدولة دون وجود ما يخالف هذا التوقع في الأفق، حتى مع وجود الأوقاف وتمويل الكراسي الذي تنشط الجامعات في إضافتها لأنشطتها.
يجعلني هذا الاستنتاج أدعو إلى دعم إنشاء المزيد من الجامعات المتمكنة من قبل القطاع الخاص، وتوفير الرقابة الأكاديمية اللازمة على مناهجها ومخرجاتها لتكون متوائمة مع متطلبات سوق العمل في المملكة. يمكن أن يتم ذلك مبدئيا من خلال تقنين الابتعاث الخارجي ليكون في تخصصات معينة وتحت ظروف معينة ولمستوى عال من الخريجين، ويمكن أن تحصر في تخصصات طبية وتقنية يصعب أن تستوعب الخريجين مع تضييق نطاق الابتعاث مستقبلا ليكون للدرجات العليا فقط.
***
يبدأ الفصل الدراسي هذه الأيام ويبدأ معه إشكال جديد تعانيه الجامعات في محاولاتها للتفاعل مع الأعداد المتزايدة من خريجي الثانوية العامة. قبول أكبر عدد ممكن من الطلبة، حتى وإن قلت معدلاتهم عن المعدلات التي تطالب بها الجامعة، يتم من خلال برنامج التعليم الموازي. ينفذ البرنامج في أوقات مختلفة عن برنامج الدراسة المعتاد، ولا يحصل خلاله الطالب على فرصة تحسين وضعه من الانتماء للتعليم الموازي إلى الانتظام، كما يحرم الطالب الملتحق من الحصول على المكافأة الجامعية التي -وإن قلت- فهي وسيلة يمكن أن يغطي بها الطالب بعض التزاماته. لأن البرنامج يستهدف الموظفين الأكبر سنا وهم -أساسا- يحصلون على دخل من مصادر أخرى.
يبحث الطلبة عن فرصة التسجيل في الجامعات التي تقدم البرنامج في أي مكان من المملكة، وهذا يزيد من الالتزامات المادية على الأسرة في نواحي السكن والمواصلات والإعاشة بعيدا عن المدينة التي تسكنها. إن ارتفاع أعداد المتقدمين من خريجي الثانوية العامة لبرامج التعليم الموازي هو نتيجة مباشرة لعدد من المعطيات:
أولها: أن شهادة الثانوية العامة لم تعد تمكّن الطالب من الحصول على فرص وظيفية جيدة، بعد أن أصبح الجامعيون ينافسون على الوظائف التي يقل التأهيل المطلوب لها عن شهاداتهم، وسماح الجهات الوظيفية للجامعيين بمنافسة خريجي الدرجات العلمية الأقل، وهو أمر غير مقبول في أغلب دول العالم، لأن التأهيل الأعلى هو أحد أسباب رفض التوظيف عالميا، وهناك جملة مشهورة عند رفض المتقدم للوظيفة وهي ''أنت أعلى تأهيلا من متطلبات الوظيفة'' أو over qualified.
ثانيها: تردي الفرص الوظيفية لخريجي الكليات التقنية وهي البديل الأكثر ملائمة لخريجي الثانوية العامة. انخفاض مستوى مخرجات التعليم الفني والمهني وعدم وجود برامج فاعلة لضمان توظيف الخريجين، إضافة إلى بعد التأهيل عن متطلبات القطاع الخاص، بسبب الحاجز الوهمي الذي يفصل القطاعين وعدم الحرص على إزالته من خلال الاندماج مع القطاع الخاص ومحاولة إرضائه بمخرجات تناسب متطلباته، أستثني من ذلك كليتي الجبيل وينبع الصناعيتين، وبعض المعاهد الخاصة.
الثالث: عدم قدرة الأسرة على تمويل ابتعاث الأبناء للخارج لارتفاع التكلفة، وعدم وجود ضوابط تضمن ضم الطالب لبرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، أو تحدد مدة الانتظار. قد تكون هناك أسباب أخرى، لكن يظل التعليم الموازي هو البديل الأقرب لإمكانيات الأسرة.
أعتقد أن أفضل الحلول وأسرعها وأقلها تكلفة على الدولة وأسهلها على الرقابة وضمان مخرجات جيدة هو دعم إنشاء المزيد من الجامعات من قبل القطاع الخاص من خلال الابتعاث الداخلي، ولعل الشركات الكبرى تدخل المجال كما فعلت ''سابك'' في معهد البلاستيك وشركة عبد اللطيف جميل في معهد السيارات، ولكن بالمستوى الجامعي الذي ينتج مخرجات تحتاجها هذه الشركات. العمل على تكثيف خصخصة قطاع التعليم العالي يدعمه أن أفضل الجامعات العالمية أنشأها أساسا القطاع الخاص، وكانت الحكومات تغطي النقص في بعض المناطق الأقل جاذبية للمستثمرين، والتكلفة المرتفعة للابتعاث الخارجي على الدولة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي