عبير
.. عبير زميلة صحافية تتعاطى السياسة في كل دقائق يومها منذ سنوات، تحظى بحب وتقدير كل من عرفها، تبدأ يومها بحدث سياسي في الصباح الباكر وتختمه عند ساعات المساء الأولى بحدث سياسي آخر.
من أول يوم انضممت إلى "العربية" قبل خمسة أعوام، كل ما صدفتني قالت مبتسمة بلهجتها الأردنية الخشنة: "دخلك وينون صالح نعيمة وماجد عبدالله"، وتبتسم ثم تواصل: "يا زلمة ما في منّون، وين صاروا هللا".
وتبدأ في سرد ذكرياتها مع الأخضر السعودي في تصفيات لوس أنجلوس عام 1983، ونهائيات كأس آسيا 1984، وتروي لي مسار الكرة التي انطلقت من رِجل عبد الجواد إلى ماجد قبل أن يكسر طقم الصين كله ويسجل هدفه التاريخي، ولا تنسى عبير أن تقول: "بعد القون النعيمة حضنه لماجد وظل يضرب على ضهره هيك"، وتجمع قبضتها وهي تضرب بها على كتفها، وشيء جميل يشع في عينيها.
تواصل الزميلة المتحمسة سرد ذكرياتها: بعمّان كنا تاني يوم في المدرسة بنحكي لبعض عن السعوديين، وكيف فاز منتخبهن على إيران والصين، وكنا نشعر بالفخر أن هذا المنتخب عربي ويفوز ويتسيد آسيا، والصبيان بيقولوا أنا متل ماجد والتاني يقول أنا النعيمة، وعبد الجواد والدعيع... وهيك.
أمام كل الذكريات التي تلقي بها عبير في كل مرة أمامي مستغلة أي مناسبة رياضية، لتزيد أوجاعي، لا أملك إلا أن أعللها بالأماني، وفي كل مرة كنت أقول لها: سنعود. فترد لي بطريقة من ينتظر غائبًا ملَّ ارتقابه: إي.. الله كريم، بلكي، ليش لا.
.. في كأس آسيا 2007، كان الجنرال صالح النعيمة أحد ضيوفي في البرنامج، وعشية الحلقة الأولى، كانت عبير تقتحم مكتبي مغاضبة: هيك بتجيب النعيمة وما بتئلي؟
ورغم أن الزميلة الصحافية تنهي دوامها عند الثامنة من كل يوم، إلا أنها كانت أول الحضور في الحلقة، استوقفت القائد التاريخي وبدأت في استدعاء ذكريات الأخضر على مسامعه، وفي كل مرة يضحك ويردد: كيف تتذكرين كل هذا؟، الأمر نفسه حدث مع ماجد عبد الله عندما استضفته، كانت عبير في مقدمة مستقبليه، تردد على مسامعه كل ما فعل في الحدثين التاريخيين للكرة السعودية.
شعرت بالفخر عندما قالت عبير لماجد والنعيمة: "ولك أنتو بترفعوا الرأس، ما بننسى اللي عملتوه أبدًا، أنا أردنية، بس كلنا بنحبكم وتربينا على إنجازاتكم، ولما تواجهوا كوريا والصين كان الدم بيغلي في عروقنا، كنتم رجال في الملعب، الله يرجع هديك الأيام".
البارحة الأولى مع ختام كأس الخليج، صادفت الزميلة المتحمسة، خارجة من مكتبها، التفتت علي وقالت: البطولة مش كتير قوية، وتابعت وعيناها تتسع وتلتمع: بس.. والله.. والله لو أنا مدير الفريق تبعكم لأدَشّر كل هدول اللعيبة، وما بسمح لحدن منهم يلعب كورة بقميص المنتخب بنوب". لم أجد سوى ترديد عبارتي بكل ألم: سنعود يا عبير. عبير التي شبّت كما تقول على أسماء نجوم الإنجاز الأخضر، تتألم للأخضر، فهل يعرف الأخضر كم من الألم أهداه لعشاقه الكُثر، وهل يعرف أي حزن يبعثه هذا الأخضر.