في أروقة المحاكم
أسعدني خبر قرأته في جريدة «الحياة» يوم الإثنين الماضي عن تركيب أحد القضاة في محافظة جدة شاشات لمراقبة سلوك المتقاضين، والتأكد من معرفة كل ما يدور بينهم قبل دخول القاضي. لم يوضح الخبر معرفة الخصوم بوجود التصوير، كما لم يتضح هل هناك إجراءات محددة لتوثيق ما يحدث أو موافقة الجهات الرسمية على ذلك الإجراء.
مهم جداً أن تتبنى الفكرة الجهات التي يرتبط بها صاحبها، كما أن من المهم وضع قواعد وتنظيم موحد يحافظ على حقوق الخصوم والجهة الرسمية المسؤولة عن القضايا، لأن الاجتهادات قد تتحول نتائجها إلى غير المأمول، ولهذا أطالب دوماً بالتوثيق والمصداقية والشفافية. يمكن أن يشجع مقدم الفكرة من خلال إشراكه في الفريق الذي يدرس مع الجهة المنفذة الضوابط والالتزامات والإجراءات المتعقلة بمثل هذا المشروع الطموح.
عمليات توثيق التقاضي والإجراءات داخل قاعة المحكمة ليست جديدة، وهي واحدة من الوسائل التي تتبعها الدول المتقدمة لحفظ الحقوق لجميع الأطراف والسماح للجهات التفتيشية بتحديد الثغرات والتجاوزات التي تحدث في المحاكمات بما يمكن من حفظ حقوق رجال القضاء والمحامين والخصوم أيضاً. كما يرجع لها عند الطعن في الأحكام أو الاستئناف.
***
في السياق ذاته قرأت الأسبوع الماضي أن المحاكم المختصة نظرت 1778 دعوى ضد الوكلاء الذين يباشرون الأوقاف. كانت أغلب القضايا في مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، هذا ليس بمستغرب باعتبار أن المدينتين تضمان أغلب الأوقاف. المعلومات أخذت من موقع وزارة العدل كجزء من الإحصائيات التي قدمتها الوزارة عن العام المالي الماضي.
أثار الموضوع المزيد من الأسئلة لدي وأتوقع أن من قرأ الخبر كانت لديه أسئلة مثل تلك التي راودتني. فالإحصائية لم تحدد حجم مبالغ هذه القضايا، كما لم تحدد كم من هذه القضايا فصل فيها لمصلحة بيت المال وكم ثبت فيها أن هناك استغلالاً للسلطة. يعلم الجميع أن مثل هذه القضايا فيها تعد على حقوق قصر وحقوق أرامل ونساء لا حول لهن ولا قوة، وهذا يستدعي أن تكون الشفافية فيها أكثر من غيرها من القضايا، كما يستدعي أن يتم التشهير بمن أساءوا استخدام الثقة التي منحت لهم، حتى لا يغتر بهم أشخاص آخرون، والمعلوم أن نظار الأوقاف قد يكونون مسؤولين عن أكثر من وقف، وهم محل ثقة الكثير من جلسائهم والمتعاملين معهم في العادة.
أستغرب كذلك أن مسؤولية البت في القضايا ومسؤولية الإشراف على نظار هذه الأوقاف هي الجهة نفسها. قد تكون هذه الجهة هي المسؤولة عن ترشيح أو قبول نظار الإشراف على الأوقاف. يبدو لي أن هناك تعارضاً في المصالح بين هاتين المهمتين، حيث إن من يرشح أو يوصي أو يشرف على ناظر العقار، لا يصح أن يكون جهة التقاضي في القضايا التي ترفع ضده.
أقترح أن تحيل وزارة العدل مهمة الإشراف على نظار الأوقاف لجهة أخرى، مثل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد أو أن تنأى بنفسها عن البت في القضايا المرفوعة ضد نظار ومسؤولي الأوقاف منعاً للبس الحاصل.
***
يأتي الطلب الذي قدمه جمعة الجمعة بالسماح له بالسفر إلى الخارج ليقدم دلالة واضحة على أن هناك حالة من انعدام الشفافية والمحاسبة وتسويفاً في قضايا تخص الناس وتؤثر في حياتهم. جمعة سجن لعدة سنوات، جاء بعدها الأمر بإطلاق سراحه ليقدم أملاً للمساكين ممن استثمروا أموالهم في المجموعة التي كان يديرها الجمعة. لكن مرت سبع سنوات دون أن يحصل أحد على شيء، ودون أن يعلم المودعون حجم ثروة الرجل وما يمكن أن يحصلوا عليه من أموالهم التي هي في حكم المعدوم حتى تاريخه.
قضية جمعة الجمعة لا تختلف عن عدد آخر من قضايا تشغيل أموال أبطالها طلقاء اليوم بأمر لم يُستفتَ فيه خصومهم من المواطنين. المواطن أودع أمواله لدى هؤلاء وهو الخاسر الأكبر في العملية وليس أقل من أن يكون له حق العفو من عدمه، وإن لم يكن له ذلك، فله أن يعرف أين ذهبت أمواله، وكم حجم ما استرجعته الجهات المختصة منها عندما قررت أنه يمكن إطلاق سراح الخصم. ومتى يحل الفرج وتعود هذه الأموال المهاجرة إلى وطنها.
يسمع المتضررون الكثير من الشائعات، يدعم ظهورها وانتشارها عدم وجود أي معلومة واضحة من الجهات المسؤولة عن التحقيق. إن من المهام الأساسية للجهات المعنية بالتحقيق في مثل هذه القضايا إطلاع أصحاب الحقوق عن الوضع القائم وتطور القضايا. قضية جمعة الجمعة مر عليها اليوم سبع سنوات، تخيلوا أن تمر سبع سنوات والكل يتكتمون على المعلومات وفجأة يخرج المتهم من السجن، ويفاجأ أصحاب الحق بأنه لم يفصل في قضيتهم ولم يعوضوا، ثم يتجرأ أقارب المتهم برفض قرار الحضور للمحكمة، ويضطر القاضي لطلبهم بالقوة الجبرية، ثم تأتي المطالبة من المتهم بالسماح له بالسفر للخارج. لا أفهم كيف يمكن أن يكون هناك تسلسل كهذا يحدث في ظل وجود قوانين تحكم العلاقة بين المتقاضين.
الأهم في هذا كله أن من المودعين أيتام وأرامل ومطلقات وفقراء جمعوا أموالهم وباعوا الكثير مما يملكون ليساهموا مع رجل يحمل سمات الالتزام في نظرهم، فمنهم من كان إماماً للمسجد، ومنهم من كان يحفِّظ أبناءهم القرآن. باسم هؤلاء كلهم أطالب بالشفافية والمحاسبة ومراعاة حقوق المواطن، وأطالب بتعويض المتضررين. أطالب بقرار جريء مثل قرار معالي وزير التجارة والصناعة الذي حل قضية عمرها أربعين سنة خلال أربعة أشهر.