هل تتفوق الإذاعة على التلفزيون؟
من يلاحظ التطور الإعلامي خلال القرنين الماضي والحالي يجد تطورا هائلا لا يمكن أن يصدقه البشر لولا أنهم يعايشونه، فمَن يصدق أن ما يحصل في أقصى الشرق أو الغرب يعرف عنه العالم في الوقت واللحظة التي يعلم بها أهل المدينة التي يحصل فيها الحدث، بل قد يعلمون به قبلهم، وتطور الإعلام من المسموع إلى المرئي إلى الإنترنت، ومن ثم المرحلة الثانية من الإنترنت (web2) من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح الخبر يبحث عنك، ولست أنت من تبحث عنه، وما زال التطور التقني يعد بالكثير مما يدهش البشر، إذ أصبح كل شيء اليوم ممكنا في ظل التطور الهائل والمستمر لتقنية المعلومات.
مع هذا الكم الهائل من المعلومات والأخبار والأحداث والتطورات بمختلف صورها من سياسي إلى اقتصادي إلى اجتماعي ورياضي وثقافي أصبح الإنسان يبحث عن أقصر الطرق للوصول إلى ما يريد دون انتظار نشرة التاسعة والنصف مساء التي اعتدناها في يوم من الأيام لما كان التلفزيون السعودي في ذلك الوقت الوسيلة الأسرع للوصول إلى المعلومة.
في ظل هذا الزخم من وسائل الوصول إلى المعلومة قد يتبادر إلى الذهن أن الإعلام المسموع من خلال الإذاعة لم يعد له مكان اليوم في قائمة الوسائل التي تشبع رغبة الشخص في بحثه عن المعلومة، والحصول على الفائدة والترفيه. لكن واقع الحال يختلف تماما، ففي أحوال كثيرة نجد أن الإعلام المسموع يتفوق على كل هذه الوسائل سواء منها المقروء أو المرئي، إذ إنه مع زحام الشوارع في المدن الكبرى قد يقضي الشخص ساعات يوميا في هذه الطرق للوصول إلى العمل والعودة منه، وقضاء احتياجاته اليومية، وهذا قد يحفزه في البحث عن وسيلة لقضاء الوقت فيما يفيده أو يلبي رغبته سواء في الترفيه أو البحث عن معلومة، أو الاستفادة من الوقت، وفي هذه الحالة فالوسيلة الوحيدة لذلك هي الإذاعة، إذ إن استخدام الهاتف الجوال في القراءة أثناء قيادة السيارة أو المشاهدة أو حتى الاتصال خطير ومخالف للأنظمة المرورية عالميا، أما التلفاز فغير متاح لسائق السيارة في الطرق، فليس له إلا أداة السمع لقضاء الوقت. أما بالنسبة للمرأة فمع الأشغال اليومية داخل المنزل فإن أفضل وسيلة لها الاستماع للاستفادة من الوقت، إذ إنها لا يمكن أن تقضي أعمالها اليومية، أو على الأقل ليست كل أعمالها اليومية يمكن أن تؤديها وهي تشاهد التلفاز.
يضاف إلى ذلك أن كثيرا من البرامج والأخبار والبرامج الحوارية والثقافية لا تحتاج كثيرا إلى الصورة للوصول إلى الهدف منها، كما أن الصورة أصبحت تتكرر يوميا، فمن يشاهد أخبار الحروب والكوارث تصبح الصورة مكررة بالنسبة له، وفيما يتعلق بالمشاهير من سياسيين ورياضيين ومثقفين فصورهم لا تغيب عنه، ويستطيع أن يتخيل الحدث بمجرد سماع الخبر. إضافة إلى أن كثيرا من أجهزة المحمول سواء رخيصة أو باهظة الثمن تجد من خصائصها استقبال الإذاعات على الموجة القصيرة مجانا دون أي تكلفة، وهذا يسهل الوصول إلى المحطات الإذاعية في أي وقت.
ما سبق يؤكد أهمية الإذاعة رغم تطور وسائل الاتصال والتقنية، ويدعو للتساؤل ما حجم الاهتمام بالإذاعة في المملكة، إذ إن من يتابع الإذاعات في المملكة يجد اهتماما ضعيفا بالموجة الطويلة، وأكثر الإذاعات من دول أخرى في المنطقة وبلغة غير عربية، أما الموجة القصيرة فمعظم القنوات غير الحكومية تكاد تكون متشابهة إلى حد ما في المحتوى الضعيف، وغير المفيد كثيرا، وتعتمد كثيرا على البرامج التفاعلية غير المفيدة للمتابع كثيرا، ومع ذلك فهي قليلة مقارنة بالمحتوى المرئي علما بأن الاستثمار في الإذاعة غير مكلف.
لذلك فإنه من المهم الاهتمام بالإذاعة، وذلك من خلال توسيع نطاق الموجة القصيرة (FM) لتغطي المدن والطرق السريعة، أما بالنسبة للإذاعات فإنه من المهم تحفيز إنشاء الإذاعات المتنوعة والمفيدة وتطوير الإذاعات الحكومية القائمة من الناحية الفنية والتقنية وتعزيزها بالكوادر المتميزة، وفيما يتعلق بالموجة الطويلة فمن المهم السماح والترخيص للإذاعات المحلية للبث عليها، خصوصا مع وجود الكم الكبير من الإذاعات الأجنبية.
الخلاصة أن الإذاعة رغم تطور وسائل التقنية المرئية ومن خلال الإنترنت فإنها ما زالت تحتفظ بأهميتها، وقد تكون فرصة الشخص في المدن الكبرى للاستماع إلى الإذاعة أكبر من فرصة مشاهدة التلفاز، لذلك فإنه من المهم الاهتمام بها وتطويرها من خلال إنشاء والترخيص لإذاعات مفيدة وجيدة، وتطوير الإذاعات القائمة من الناحية الفنية والتقنية والكوادر المتميزة.