في انتظار قطار الجنوب
عندما أعلنت الدولة عن مشروعات خطوط السكك الحديدية والتطوير الكبير فيها، سعدنا جميعا، فلقد كان اسم أحد الخطوط (خط الشمال الجنوب) واستمرت الأماني كبيرة في المشروع على أساس أنه على مراحل تبدأ الأولى من الشمال إلى الرياض وتعبر مدن الشمال، ثم بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية من الرياض إلى الجنوب لتمر بمدن الجنوب، إلى أن جاء بيان وزارة المالية قبل عام من اليوم ليعلن أن اسم (سكة حديد الشمال - الجنوب) لم يعد مطابقا للواقع، وصفاً لمشروع سكة الحديد الذي تنفذه الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار)، ويمتد من الحديثة شمالي المملكة إلى الرياض مروراً بالجوف وحائل والقصيم وسدير، ويربط مناجم الفوسفات (بحزم الجلاميد في منطقة الحدود الشمالية) ومناجم البوكسايت (بالبعيثة)، بمناطق التصنيع (في رأس الخير والجبيل والدمام) بطول إجمالي يبلغ 2750 كيلومتراً، وأن الاسم الرسمي للمشروع هو (سكة حديد سار).
إن مناطق المملكة الممتدة جنوباً من وادي الدواسر حتى نجران ومن بيشة حتى جازان، وكذلك المناطق الحدودية مرورا بمدن كبيرة مثل أبها وخميس مشيط، تشير إلى أن الواقع هو الذي تغير، والأمل أن يكون بيان وزارة المالية تمهيدا لمشروع خط سكة حديد جديدة للمدن والمناطق جنوب الرياض، ويكون مختلفا عن خط سكة حديد سار، وأنه ينتظر فقط أن يعتمد في الميزانية حتى يتم الإعلان عنه.
لقد حققت المملكة اليوم فائضا كبيرا والدين العام في أقل مستوياته، والفرصة اليوم مواتية لتنفيذ أفضل وأضخم شبكة سكة حديد، لم تعهدها الجزيرة العربية من قبل، فما المانع من مد مشروع السكك الحديدية إلى المناطق الجنوبية؟ عندما وجه خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - سؤاله إلى وزير المالية عن الفائض، أجابه الوزير فورا بأنه سيوجه للنقل العام، والفائض 400 مليار. والجنوب بحاجة إلى قطار، فليس هناك نقل عام أهم من هذا. إن إنشاء سكة حديد لربط المناطق الجنوبية بالشمال هو أمر في غاية الأهمية سواء من ناحية التنمية المتوازية أو من ناحية التنمية الاقتصادية الشاملة، فتنمية الشمال بهذه المشروعات الكبيرة (وهو أهل لها لا شك)، قد يتسبب في هجرة واسعة من الجنوب إلى الشمال، وهذا له مشكلات لا حصر لها، وتجارب الدول المجاورة خير دليل. الأمر الآخر أن المدن الصناعية في المناطق الجنوبية سوف تموت لأنها لا تستطيع نقل إنتاجها إلى المناطق الحضرية والتجمعات السكانية القادرة على الدفع، وغالبا (بسبب التطور) في الشمال. فربط الجنوب بالشمال بسكك حديد سوف يربط المصانع بعضها بعضا ويسهل نقل الإنتاج بين مدن المملكة، كما سهل نقل الأيدي العاملة بين المدن، وهو أمر في غاية الأهمية، فنقل العمال في أول الأسبوع إلى المصانع والمدن الصناعية ثم عودتهم إلى منازلهم في نهاية الأسبوع، لن يتحقق إلا من خلال وسائل نقل متطورة ورخيصة مثل القطارات.
وفي مقام آخر نجد أن حكومة خادم الحرمين الشريفين أنشأت المدن الطبية في جميع مناطق المملكة، وكذلك المدن الجامعية، واهتمت بإنشاء الطرق السريعة بين المدن، وكل ذلك يهدف إلى خلق توازن تنموي في المملكة لكن ذلك كله مرتبط بوجود مناطق للعمل ومصانع ولذلك أنشئت مدن صناعية، هذه الخطة التنموية المحكمة لم يعد ينقصها حتى تؤتي ثمارها سوى سكك حديدية تربط كل هذه المدن بعضها بعضا والفرصة اليوم متاحة وقد لا تتكرر.