وماذا بعد؟
.. يقولون: إن الإنسان دائما أسير دائرته القريبة، تشكله، تؤثر فيه وتتأثر به، وتصبغ آراءه وتوجهاته بصبغتها الخاصة، وقليلون من القادة ينفكون عن هذه الدائرة ويخرقون سياجاتها غير المرئية بالعين المجردة، وأولئك المنفكون يسميهم التاريخ المجددين.
.. والمجددون في كل زمان ومكان، لاقوا ويلاقون الكثير من المنغصات التي تعترض طرقهم المبتدعة الجديدة، وأول طلائع هؤلاء المعترضين هم الدائرة القريبة السابق ذكرها أعلاه. يفعلون ذلك بحسن نية أحيانا وإيمانا بأن ما يفعلونه هو الصحيح، وبالتالي يقعون بأنفسهم أيضا أسرى لأدبيات الدائرة نفسها، ويفعلون ذلك أحيانا دفاعا عن مصالحهم التي قد تسقط بخرق حصون الدائرة التي ينتمون لها.
في المنتخب السعودي مثلا، ظلت قرارات التغيير لا تتجاوز قرارا واحدا فقط، هو تغيير المدرب، حتى بات الأخضر ذا التاريخ العظيم، الأول في العالم في استبدال المدربين بمعدل مدرب كل 11 شهرا يقابله مدرب واحد كل خمسة أعوام لمنتخب ألمانيا مثلا، ومدرب لمنتخبي كوريا واليابان كل عامين وشهرين.
استمر مسيرو الكرة السعودية طوال سنوات، يتبعون طريقا واحدا فقط، يخلق إنعاشا مؤقتا في جسد الأخضر الذي تتناهشه الأمراض، وتغرس أنيابها في مفاصلها، حتى بات القرار ذاته أحد الأنياب التي أصيبت بالسعار وتحولت لتمزيق الذات نفسها، فأصبح الحصول على مدرب للمنتخب الأخضر أمرا عسير المنال محفوفا باشتراطات أشبه بالمستحيلة. مرتب عال جد، مرفق بشرط جزائي لا يطاق، لو عرف لأحدث ردة فعل اجتماعية رهيبة مرعبة، ولنا في حفنة الأموال التي يستعد ريكارد لقبضها خير مثال.
في كل مرة نصاب بالخسارة، ونتجرع علقمها المُر، نأتي بقائمة من الإصلاحات التي لا تصمد مع الخسارة التالية. خرجنا من كأس آسيا الأخيرة في الدوحة بخيبة كبيرة، أعلن معها سلطان بن فهد استقالته، ثم جاء نواف بمجموعة شابة لإحياء المنتخب، وأوكل الإدارة لمحمد المسحل سليل عائلة المال والرياضة، وللحق فإن الرجل أظهر بشائر طيبة بالذات في عمل الفئات السنية، كان ثمرتها بلوغ الدور الثاني في مونديال الشباب والفوز بكأسين خليجيتين أولمبيا وشبابا، وابتعاث سبعة لاعبين شباب إلى أوروبا، وبات المشهد يعد بجيل جديد ينتظر الموعد فقط.
خسرنا كأس الخليج، فعدنا للمربع الأول، إقالة ريكارد، بعثرة عمل الفئات السنية بالاستيلاء على أجهزتها الفنية، تفريق المنظومة الإدارية، وخطة انعاش جديدة تبدأ من الخطأ ذاته.
لا أعتقد أن ريكارد هو السبب الوحيد، بل وليس السبب الأول فيما حدث، ولا أظن عزله سيعيد الأخضر إلى حال تسر، قد ننتصر، لكن كل ما سيحدث بعده سيظل رهين القرار ذاته، والدائرة المغلقة ذاتها.
استبشرت خيرا بالحراك الانتخابي في كرة القدم السعودية، وأزعم أن لدى المجلس المنتخب القدرة على قراءة المشهد بهدوء ورويّة وحكمة، واستصدار الصالح من القرارات بعيدا عن مدرب وإداري جديد. وأتأمل من اتحاد عيد أن يواصل الزرع والسقيا في الدرجات السنية، وأن يدخل في تفاصيل التفاصيل في المنتخب الأول، وأن يبحث عن جواب للأسئلة المعلقة منذ أمد: لماذا يبدع اللاعبون مع فرقهم المحلية، ويغيبون تحت ألوان المنتخب؟
لماذا أصبح المنتخب جثة هامدة لا تنفصل عن أجهزة الإنعاش؟ لماذا أصبحت قلوب لاعبينا شتّى في حب الأخضر؟ ولماذا أصبحت لدينا أندية وشخصيات أقوى من المنتخب، يبحث رئيس الاتحاد عن رضاهم ويبتعد عما يغضبهم؟ وأخيرا السؤال القبيح: لماذا أصبح بعض السعوديين يتمنون الخسارة لبلادهم؟
عندما تكون الحقوق واضحة، يشعر الناس بالعدل، وعندما تسير الأمور في دهاليز ضبابية، تجد الأصوات النشازة مرتعا وآذانا صاغية، وتبدأ في تلويث الذائقة. إنني أدعو أحمد عيد ومجلس اتحاده المنتخب، للسير إلى أقصى نقطة في الشفافية، والخروج من دائرته ودائرة الأخضر البالية وإعلان خطة طوارئ عاجلة وخلّاقة تستهدف عودة منتخب بلاد يحبه الجميع، ولن يحدث هذا ما لم يفعّل القانون الذي لا يغيب بغياب الأسماء، القانون والنظام، القانون يا عيد.. القانون.
.. وليعلم مجلس اتحادنا الموقر، أنه سيواجَه بكثير من الصعوبات والمآزق، يزرعها غالبا المستفيدون، من أبناء الدائرة نفسها، وعليه أن يصمد ليصنفه التاريخ اتحادا مجددا، خالعا رداء الرتابة والتقليدية. سقط الأخضر عن ركب الآسيويين في المونديال، وتمرغت كرامته بالتراب في كأس الخليج، وبقيت كأس آسيا، آخر قلاعنا الصامدة في تاريخنا الرياضي، وستكون القاضية إن غبنا عن نهائياتها المقبلة.