بالمال تستطيع شراء السعادة
يبدو أنه ليس كل ما تعلمناه قديما وتوارثناه من أمثال وحكم آمنّا بها سنين، وأثر في مسيرة حياتنا، وأدى بالبعض إلى الركون والاستسلام، يعتبر حقيقيا ومسلما به، فلو اقتنع الدارس والباحث والمخترع بحد معين لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من تقدم، ولو اقتنع الفقير والعامل البسيط بما لديه لما رأينا هذه الإمبراطوريات المالية التي ما وصلوا إليها إلا لأنهم كسروا القاعدة، وتركوا هذه المأثورات وراء ظهورهم، "كالقناعة كنز لا يفنى"، و"المال لا يشتري السعادة"، وغيرهما، جاءت دراسة لتلغي ما آمنّا به لسنين، وتخبرنا أننا نستطيع شراء السعادة بالمال.. لكن كيف؟
حيث توصل ثلاثة باحثين وهم إليزابث دون من جامعة كولومبيا - بريطانيا ودانيال جيلبرت من جامعة هارفرد وتيموثي ويلسون من جامعة فرجينيا، في دراسة لهم عن المال وعلاقته بالسعادة -نشرت في صحيفة "كونسيمر سيكولوجي"- إلى نتائج غير متوقعة، خالفت أغلبية الدراسات السابقة التي تقول "إن العلاقة بين هذين المتغيرين ضعيفة، وإن الأغنياء ليسوا أكثر سعادة من الفقراء، لأن المال مع الوقت يصبح عبئا على صاحبه"، حيث وجدوا أن المال ليس المشكلة، بل بالعكس هو سبب للسعادة إذا أنفق على أمور تجلب السعادة للشخص، فعدم معرفة الناس بما يسعدهم هو السبب الحقيقي وراء عدم الشعور بالرضا، وخرجوا بخمس قواعد تساعد الناس على العيش بسعادة:
أولاها: الإنفاق على خوض تجارب جديدة بدل شراء أشياء مادية ملموسة، لما في التجربة من تنوع وإثارة، أما الأشياء الملموسة فتتحول مع الوقت إلى ما يشبه قطعة الأثاث مثل القيام بالرحلات والسفر، فبدل شراء لوحة مميزة وتكون مجرد متفرج على منظر طبيعي ستكون جزءا منه، فالشعوب التي تتمتع بأيام إجازتها وتجعلها للاسترخاء والاستجمام فقط، أكثر سعادة من الشعوب التي تغتنم إجازتها للقيام بمزيد من الأعباء مثل اليابانيين، لذا تزيد لديهم حالات الانتحار.
ثانيتها: الإنفاق على الآخرين، وهذه قاعدة ربانية ومن أكثر الأمور جلبا للسعادة، فالبشر كائنات اجتماعية بالدرجة الأولى لا تستطيع العيش بمعزل عن الآخرين، لذلك كان إنفاق المال سواء لتقوية الروابط الاجتماعية من هدايا وإقامة حفلات أو رحلات جماعية أو مساعدة الآخرين بالتبرعات والصدقات من أقوى أسباب جلب السعادة، وتم قياسها عمليا بالرنين المغناطيسي ولوحظ الفرق بين من ينفق ماله على نفسه فقط ومن ينفقه على الآخرين، حيث تنتج عنه طاقة إيجابية قد لا ندرك مصدرها في حينه.
وثالثتها: الشراء والتمتع بالكثير من الأشياء الصغيرة بدل القليل من الأشياء، مثل الخروج لتناول القهوة أو تناول الشوكولاتة أو شراء المكياج بدل الثياب باهظة الثمن، وتزيين غرفة الجلوس العائلية والاستمتاع بها بدل صرف مبالغ باهظة على غرف الضيوف التي نادرا ما تستخدم، تضفي لمسات جمالية وسعادة على معيشتنا وحياتنا اليومية.
أما رابعتها: فهي كلما قللت ديونك زادت سعادتك، فالشراء بالأجل يجعلك تحصل على ما تريد، لكن تدفع سعرا أعلى، ما يشعرك بعدم الرضا وتتحول إلى مستهلك شره.
وآخرها: وهو ادفع الآن واستهلك غدا، الذي يجعلك تنفق دون أن تشعر ثم ينتابك الندم وتتراكم عليك الديون، فبطاقات الائتمان وسيلة إشباع فورية، لكن عواقبها وخيمة، وكذلك الرهن العقاري والقروض الاستهلاكية التي تتربع أمريكا على عرشها مقارنة بالدول العربية التي بدأت تلحق بها.
لذا حاول تطبيق هذه القواعد، واشترِ بمالك ما تحتاج إليه فقط ويجلب لك السعادة والرضا وعدم الندم في المستقبل.. يقول ديريك بوك: يجب جعل السعادة مهمة أولى للحكومات، وبذلك تستطيع إدارة كل سياسات الدولة بما يخدم هذا التوجه، فكلما زادت سعادة الفرد زاد إنتاجه، وتحسن الوضع الاقتصادي للبلد.