وقاطعت مباريات المنتخب!
اليوم كان هو يوم المباراة الموعودة بين فريقين تنافسهما تاريخي وكل منهما يعتبر الفوز على الآخر بطولة بحد ذاته. مباراة المنتخب السعودي ضد منتخب دولة الكويت .. أصدقكم أنني قررت مقاطعة مباريات المنتخب منذ أمد ليس بالقصير، رغم أنني كنت مهووساً بالكرة أيام شبابي بل كنت ألعب وأدرت أحد فرق الحواري أيام شهرتها. السبب هو البحث عن الراحة من الضغط والكآبة والصراخ والقهر كلما لعب الفريق أي مباراة. يقبع المنتخب اليوم في مرتبة من ثلاثة أرقام بعد أن وصل في وقت ما إلى مركز تحت العشرين عالمياً. أستغرب لماذا يستمر الناس في متابعة المنتخب برغم نتائجه الهزيلة! بل ولماذا يتابعون مباريات الأندية التي – هي الأخرى - تحقق نتائج أسوأ - خارجياً - و تستمر في التراجع.
تمكنت من نقل عدوى عدم الاكتراث هذه إلى أبنائي الذين لم يكن أحد منهم يعرف أسماء اللاعبين، و لا من أين أتوا، أو خطط زواجهم وطلاقهم والمؤامرات التي تحيكها الأندية والأشخاص ضد بعضهم. ساءني أكثر المستوى المتردي للسلوكيات في الوسط الرياضي، إشاعات تتعلق بالرشاوى و تبييض الأموال وغيرها مما لا يصلح للنشر، علمت أنني اتخذت قراراً صائباً. إلا أنني لم أتمكن من السيطرة على أصغر أبنائي الذي يعشق الكرة بجنون برغم محاولاتي تثبيطه وإبعاده عنها، رحمة بقلبه وأعصابه ومستقبل أيامه.
يبدو أنني متطرف للغاية عندما قررت عدم مشاهدة المباراة، الكل كان يشاهد المباراة، حتى أبنائي المقاطعين. هربت من الشاشة التي تنقل المباراة إلى ''التويتر''، فوجدت الناس يحللون المباراة تحليلاً فورياً، بنسبة 8 من كل 10 تغريدات. فقررت أن أنتقم بمقالة أشكو فيها كل شاشات منزلي والتي تحولت إلى قناة الرياضية، وملاذي الآخر ''التويتر''. وأحاول أن أجمع حولي من يعاقبون المنتخب بسبب أداء لاعبيه و سياسة إدارته وسوء أداء الأندية التي تزوده باللاعبين.
يزخر علم الإدارة بعدد كبير من النظريات، لكن مفهوم ربط الأنشطة بالنتائج هو واحد من أهم المعارف التي تتفق عليها أغلب العلوم، الإنسانية منها والطبيعية. إذا كنت تؤدي نشاطاً إيجابياً فالمفروض أن تكون النتائج إيجابية، هذه نظرية السبب والنتيجة. كل ما نراه اليوم يدل على أن الأنشطة التي تتم داخل الأندية ومن بعدها المنتخب هي أنشطة غير إيجابية و لهذا تأتي نتائجها سلبية. وقديماً قال الفرنجة ''أنت تحصد ما زرعت''.
كتبت - سابقاً - عن ضرورة إلغاء الدعم الحكومي للأندية الرياضية، وجعلها ''تكد'' على نفسها مثل كل أندية العالم. إلغاء الدعم الحكومي سيدفع الأندية نحو التخصيص. ستكون إدارات الأندية أكثر مسؤولية، وسيحكم علاقتها باللاعبين والجمهور والممولين الأداء، والإنجاز فقط. كما سيكون اتحاد الكرة أكثر قدرة على أداء مهامه بشفافية وعقلانية.
تحويل المبالغ المصروفة من ميزانية الدولة على المنتخب والأندية إلى وزارة التربية والتعليم، سيوفر الفرصة لتكوين جيل رياضي متعلم مُعد بشكل علمي. يمكن من خلال برامج واقعية ومطبقة في دول كثيرة تحويل معلمي التربية البدنية إلى مدربين متخصصين في كشف وتطوير المهارات الفردية والجماعية لإيجاد عناصر جيدة تخدم الأندية والمنتخبات، بدل أخذ هؤلاء من أندية الحواري وغيرها.
إيجاد البنى التحتية في المدارس من مسابح وصالات متعددة الأغراض وملاعب قانونية سيؤدي إلى توفير بيئة رياضية مقبولة أسرياً وعلمياً. هذه الملاعب والمنشآت يمكن أن تفتح أبوابها حتى لأولياء الأمور ليمارسوا هواياتهم، وتخيلوا أن تكون المدرسة موقعاً يجتمع فيه كل أهل الحي تحت مظلة النشاط الرياضي والاجتماعي، وكما قال الأستاذ أبو تميم – وهو من متابعي مقالاتي – أستغرب كيف تبنى هذه المنشآت وتستخدم لمدة خمس ساعات في اليوم.
مآخذي على الاتحاد السعودي مربوطة بمآخذي على وزارة التربية والتعليم التي لم تنسق مواعيد الاختبارات مع موعد البطولة، وهي تعلم أن الطلبة سيكونون أول المتابعين، و لا يقولن أحد تحكم في أبنائك! لأن الإمام لم يتمكن من التحكم في نفسه وأدى صلاته وانصرف على عجل، فكيف بأطفال وشباب في سن نعتبر اهتمامهم فيها بالكرة خير من أن يشغلوا وقتهم بأمور بعيدة عن عيون أهلهم أو مع صحبة سيئة.
أعتذر لصديقي الصدوق الذي قال لي ذات مرة: ابتعد عن ''عش الدبابير'' وهو يقصد الرياضة، ورغم ثقتي أن كلامي هذا لن يجد أذناً لدى وزارة التربية والتعليم ولا الاتحاد السعودي ولا الأندية ولا الجمهور المتعلق بالشاشات في هذه اللحظة، لكنني أرى أن دور الكاتب هو التنبيه لأمور من وجهة نظره، التي قد تكون وقد لا تكون صحيحة، ومن قبيل الفضفضة التي يشاركني فيها بعض من رأوا منتخبنا في الثمانينيات يحمل كأس آسيا لأول مرة، و شاهده يصعد للدور الثاني في كأس العالم. ويشاهده اليوم بعد منتخب سينت فنسنت وقرينادا كما قال الكاتب الأنيق خلف الحربي.