قطار الجنوب «يوك»

أذكر أن عامل مخبز ''التميس'' المجاور لمنزلنا في محافظة الطائف، وهو من ''البخارية'' حسب تسمية أهل المدينة لهم. الذين أعتقد أنهم ينحدرون من جمهورية كازاخستان، الكثير منهم استوطنوا مدينة الطائف منذ ما يزيد على 70 سنة، وتجمعوا في حي يحمل اسم ''حي البخارية''. كان الخباز يجيبنا بعبارته المشهورة ''تميس يوك''، وهي تعني انتهى التميس أو لا يوجد تميس.
أعود لعنوان مقالي وهو مستوحى من خريطة انتشرت خلال الأيام الماضية ترسم ملامح خطوط السكك الحديدية المزمع إنشاؤها خلال الثلاثين سنة المقبلة. الخريطة ألغت كل ما هو جنوب المنطقة الشرقية ومدينة الرياض ومدينة جدة، أي أن نصف المملكة غير مغطى.
هذا يعني أن كل محافظات مناطق الباحة وعسير ونجران وجازان، إضافة إلى المحافظات الجنوبية من منطقة الرياض ومنطقة مكة المكرمة والمنطقة الشرقية تقع خارج حسبة مخططي ثورة النقل العام القادمة. أؤكد للجميع أنني لم أصدق تلك الخريطة ولا أتوقع أنها مستوحاة سوى من فكر ''شخصي أحادي'' غير مطلع.
فالدولة وهي تعطي أولوية قصوى لقطاع النقل العام في ميزانية عام 2013، بل تخصص له مبالغ تتجاوز مخصصات الصحة والتعليم، تخطط لإيجاد نقلة نوعية كبرى عنوانها وأهم مكوناتها النقل بالقطارات. ذكر تقرير لصحيفة ''الاقتصادية'' أن إجمالي ما خصص لقطاع النقل يتكون من رقمين مهمين الأول يبلغ 200 مليار ريال، يتم استقطاعها من فائض الميزانية عام 2012، إضافة إلى تخصيص 65 مليار ريال للقطاع بشكل عام، ليصل إجمالي مخصّصات القطاع في 2013، إلى 265 مليار ريال، مرتفعا بنسبة 653 في المائة عن مخصّصاته في 2012، التي بلغت 35.2 مليار ريال، وكانت نسبته نحو 9.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2012. ليصل ما تم تخصيصه لقطاع ''النقل'' في 2013 نحو 38 في المائة، فيما خصص للتعليم 29 في المائة، و14 في المائة للصحة.
كيف يتوقع أي منا أن يفترق الثلاثة عناصر عندما يصل الأمر إلى توفير الخدمات لما نسبته 30 في المائة من سكان المملكة. إن التوجه الحكومي لتقديم خدمات النقل العام مبني في الأساس على ضمان راحة وسلامة المواطن والمقيم. ولا يمكن النظر إلى المملكة كمكونات يمكن خدمة بعضها وترك أخرى.
إذا لا بد أن تلتزم جميع الجهات الخدمية بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين التي أكدت على الشفافية وتوضيح المواقف بدل أن يترك الناس فريسة للشائعات. ولا بد أن الجميع لاحظ خلال الفترة الأخيرة أن هناك تقصيرا من عدد من الوزارات في شرح وإيضاح وجهات نظرها حيال معلومات يتم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي، أو تصل حتى إلى الصحافة المحلية ''المحافظة''. ووزارة النقل ليست مستثناة من السلبية تجاه المواطن ووسائل الإعلام.
يتوجه الناس للحصول على المعلومات حيث يجدونها، بل إن كثيرا من الجهات ذات ''الأجندات'' الخاصة أو الأفكار غير القويمة تستغل هذه السلبية في نشر معلومات مغرضة ومسيئة للدولة ومختلف قطاعاتها، وكل من يتابع مواقع ''تويتر'' و''فيسبوك'' يعلم أن الشائعات تنتشر بشكل يجعلها خطرا على مصالح الدولة والوحدة الوطنية.
الأمر المحير هو أنك عندما تتحدث مع مسؤولي العلاقات العامة أو المتحدثين باسم الجهات الحكومية تجد تذمرا من استجابة الجمهور للشائعات المغرضة وسرعة تصديقهم لما ينشر من المعلومات السلبية، وهذا أمر طبيعي وبشري، لأن هناك فرصا متاحة أمام كل منظومة لتحقيق ما يعرف بالعلاقة الإيجابية مع المتلقي. فإن استغلت المنظومة هذه الفرصة بالطريقة الصحيحة فإنها تحقق أمرا مهما هو ''المصداقية''.
أما إذا بقيت المنظومة في حال السلبية وعدم التفاعل -كما هو حال الكثير من الجهات العامة والخاصة لدينا- فإنها توقع نفسها ضحية لمروجي الشائعات ومن يحاولون الإساءة إليها أو إلى جسد الدولة بشكل عام، والتشكيك في العلاقة بين متلقي الخدمة ومقدميها. يقع في هذا الإطار التلاعب بالإحصائيات واستخدام معلومات مغلوطة مثل هذه الخريطة التي انتشرت ولم تجد من يصحح المعلومات الواردة فيها.
الحالة الثالثة وهي محاولة إعطاء معلومات مغلوطة للتغطية على أمر معين أو التقليل من أثر معلومة تتخوف الجهة من انتشارها، لهؤلاء أقول: إن كل الحضارات لها أمثلة وقصص على حبل الكذب القصير. لكن الأسوأ من هذا هو أن المستفيد سيتوجه إلى مصادر معلومات أخرى تقدم عكس المعلومات التي تقدمها الجهة، وهي بهذا تخسر مصداقيتها، والأمثلة كثيرة.
أدعو من هنا وزير النقل أن يكلف المتحدث الرسمي باسم الوزارة أو يتكرم هو بنقل المعلومات الكاملة عن مشاريع الوزارة وتعريف المواطن بالكم الهائل الذي ستتولاه الوزارة والهيئات المرتبطة بها من المشاريع، إضافة إلى خطط الوزارة خلال السنوات المقبلة سواء كانت خمسية أو عشرية أو أكثر من ذلك. فليس من وسيلة لضمان احترام المواطن للقطاع أفضل من احترام المواطن وتقديم المعلومة الصحيحة والشفافة له. وهي دعوة لجميع الوزارات والهيئات التي تهتم بالشأن العام ومصالح المواطنين للمزيد من الشفافية والمواجهة واستباق الأحداث حماية لمكتسبات الوطن وضمانا للعلاقة الإيجابية بين المواطن وحكومته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي