ما حاك في صدرك

ظلت الخيانة الزوجية أمراً محدود الانتشار في الماضي القريب، الغريب أن انتشارها في الفترة الأخيرة لم يكن مفاجئاً لعلماء النفس والاجتماع. بل إن كثيرين يعتبرونه أمراً حتمياً مع التغيير الذي تعيشه المجتمعات، وفقدان قدر كبير من الود والتقارب بين أفراد الأسرة الواحدة، والمجتمع الصغير من حولها.
يميز المجتمعات اليوم عدد من الصفات، التقنية تكاد تسيطر على حياة الناس، يزداد تعلق كل أفراد الأسرة بالعلاقات الافتراضية التي تمنحهم ما يفتقدونه من الفهم والحب والتعاطف، بسبب انشغال الكل، وضغوط الحياة، الابتعاد المتزايد للوالدين عن مشاكل أبنائهم خصوصاً في سن الطفولة والمراهقة، يجعل الضغوط النفسية والعاطفية تسيطر على الأبناء، وتدفعهم إلى البحث عن بدائل تمنحهم الحب والحنان.
يعاني الآباء والأمهات كذلك من جفاف عاطفي، بسبب اختلاف الاهتمامات وعدم البحث عن نقاط التلاقي. هذا الجفاف والتباعد يجعل أفراد الأسرة فرائس لمن يبحثون عن المتعة أو غيرهم ممن يبحثون عن العاطفة التي يفقدونها في مجتمعاتهم.
فقدت الأسرة الكبيرة دورها في حماية مكوناتها لعدة أسباب، أهمها ضعف الوازع الديني لدى البعض، وعدم الاهتمام بمبادئ سلوكية أطرت العلاقة بين الأسر في الحي، التي تشمل التواصل والتراحم والتناصح بين أهل الحي الواحد. اختفى دور مهم كانت تلعبه المدرسة والمسجد في حياة الناس، وأصبح الواحد منا لا يعرف عن جاره سوى الاسم فقط، التحفظ أصبح السمة المميزة للمجتمع.
ساهمت الفترات التي كانت تعيشها الزوجة مع جاراتها والأطفال مع أقرانهم في الحي والرجل مع جيرانه في الزمن السابق في شغل الفراغ العاطفي والمكاني، ونظم سلسلة قوية من العلاقات التي تحمي كل مكونات المجتمع. تسري اليوم على أغلب الجيران الفردية والبعد عن الجماعة، وينطبق قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: ''إنما يأكل الذئب القاصية من الغنم'' على الجميع.
يأتي تأثير أسلوب الحياة وتنظيم وقت الأسرة كعنصر مهم في حالة الغربة الاجتماعية التي يعيشها الجميع. لم تعد هناك أنشطة تمارسها الأسرة مجتمعة، كما لم تعد هناك ساعات معينة للجلوس والنقاش والتسامر والاطمئنان. يعيش كل فرد في معزل عن البقية بأصدقاء مختلفين ونظام حياة مختلف، وحتى ساعات يقظة ونوم مختلفة. هذه الحالة غريبة على مجتمعنا وهي غريبة حتى على المجتمعات الغربية التي تعاني من مشاكل الفصام الأسري.
أسوأ ما يؤثر في الأسرة اليوم هو ما حذر منه ديننا الحنيف، وهو الكذب. ففي قوله -صلى الله عليه وسلم-: ''لا يسرق المؤمن حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن''، إلا أنه عندما سئل هل يكذب المسلم؟ قال: ''لا''. الكذب هو بداية الوقوع في الخطأ والخطيئة والذنوب، ومن ثم الوقوع فريسة للتهديد أو الابتزاز، وصولاً إلى الفساد الأخلاقي والخيانة، وفقدان الهوية، والوقوع ضحية أمور أكثر خطورة كالترويج.
يصل الحال بالبعض إلى ممارسة سلوكيات لا يمكن أن يتقبلها من غيره، بل لا يمكن أن يبررها لنفسه. البعض يستغل أطفاله في تحقيق مآربه، مع أنه لن يتقبل هذا السلوك من غيره. يعرِّض آخرون أطفالهم للخطر في محاولاتهم تبرير أو تحقيق غرض معين، إضافة إلى جعل الأطفال وسيلة لممارسة السلوك الخاطئ، اعتماداً على ثقة الشريك باهتمام شريكه بمصلحة الأبناء.
لن أكون متجنياً إذا قلت إن المرأة تواجه خطراً أكبر من الرجل؛ ذلك أن المجتمع قد يتساهل مع الرجل، بل إن البعض يستطيعون أن يتباهوا بعلاقاتهم المشبوهة، بينما تفعل المرأة ما تفعل عندما تفعل بسرية وخوف وأمل ألا يعلم عنها أحد. إن الكثير ممن سقطوا في شراك الخطيئة يحبون أن يضموا إلى شبكاتهم أشخاصا جددا. هذه الإشكالية هي من طبيعة البشر التي تميل إلى الأنانية وتفضيل الذات، وعندما يكون العقل الباطن في حالة من الشعور بالخزي فهو يدفع بالمرء نحو جذب الآخرين إلى القاع الذي يعيش فيه.
يجب أن تستعيد الأسرة دورها، وأن يعمل الزوجان على إعادة ترتيب بيتهما بما يضمن ألا يكون أحد من الأسرة قاصياً وعرضة للخطر، لا بد أن توجد الأسرة أنشطة تجمعها بمجملها، ولا بد أن يحاول الجيران أن يعيدوا الترابط بين مكونات الحي، من المهم أن تسيطر الأسرة على أجهزة التواصل الموجودة لدى الأبناء، يمكن أن يحدد الوالدان قاعدة أخلاقية داخل المنزل تجعل جميع أجهزة الاتصال في متناول الجميع، يمكن أن يحدد الوالدان وقتاً تغلق فيه كل الأجهزة وتبقى في مكان عام كصالة الجلوس، يجب أن يتعرف الوالدان على أصدقاء أبنائهم وبناتهم الحقيقيين والافتراضيين، وليس هناك ما يمنع من دعوتهم وتنظيم حفلات في منازل الأسر لهم.
أخيراً لا بد أن يقتنع الجميع بأن تكون علاقاتهم واتصالاتهم مفتوحة، وأن يتذكروا أن المشكلة تبدأ عندما يحاول أي من أعضاء الأسرة أن يتحدث على الهاتف أو الحاسب، بعيداً عن بقية الأسرة، فـ ''الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس''، وهو مؤشر للآباء والأمهات أن يتنبهوا ويتصرفوا قبل فوات الأوان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي