المرآة الصينية - الأمريكية .. ومفهوم الخلاف

شهد تشرين الثاني (نوفمبر) تغيرات كبيرة على مستوى الزعامات في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك تنصيب شي جين بينج أكبر مسؤول رسمي في الصين وإعادة انتخاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما. ولقد أبرزت هذه التغيرات الفوارق الحادة بين النظامين السياسيين في كل من الدولتين. ورغم هذا فإن الدولتين تشتركان في أهداف متماثلة تتعلق بالتنمية الوطنية؛ زيادة ازدهار المواطنين، وتضييق فجوة التفاوت الاجتماعي، ومعالجة قضايا الاستدامة البيئية.
والحقيقة هي أن التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والبيئية السريعة تتحدى كلا النموذجين الغربي والصيني في الحكم، حيث يحتاج كل منهما إلى إصلاحات كبرى. ويتعين على الزعيمين في كل من الدولتين أن يحققا الإصلاحات المطلوبة في غضون فترة محدودة، وبالاستعانة بموارد محدودة، وفي سياق عالمي من المنافسة التجارية والاعتماد المتبادل.
وفي الولايات المتحدة، حيث تتسم الأسواق والنظام القضائي والقيود التنظيمية بالنضج، فإن الضرورة لا تقتضي الإصلاح المؤسسي، بل إصلاح السياسات، معالجة الموقف المالي الضعيف، والتفاوت في الدخول والثروات، والبطالة، والرعاية الصحية، والبنية الأساسية المادية المتدهورة.
أما في الصين، فإن القضية تتعلق - إلى حد كبير - بتصميم وتنفيذ المرحلة التالية من الإصلاحات المؤسسية اللازمة لتعزيز النمو الاقتصادي والكفاءة، وتضييق فجوة التفاوت الاجتماعي، وإزالة التشوهات في السوق، ومعالجة التدهور البيئي، ومكافحة الفساد. ومع تحول الصين إلى مجتمع متوسط الدخل وأكثر حضرية، فإن التحدي الذي يواجه القيادة الجديدة للبلاد لا يتمثل في تلبية احتياجات السكان من الوظائف، والرعاية الصحية، والأمن الاجتماعي فحسب، بل وأيضاً تحسين الإدارة وفعالية الدولة من خلال إنشاء الضوابط والتوازنات وفرضها على السلطة السياسية.
ويواجه كل من البلدين مقاومة هائلة للإصلاح من جانب مصالح خاصة وجماعات ضغط قوية. كما يواجه كل منهما تشوهات كبيرة في الأسعار، نظراً للتيسير الكمي من جانب صانعي السياسات النقدية، والذي أدى إلى أسعار فائدة حقيقية سلبية.
وبوسع كل من الصين والولايات المتحدة أن تستخلص دروساً مهمة من مواطن القوة ونقاط الضعف الكامنة في كل من النظامين. فأولا، لا يتمثل التحدي في كل من البلدين في مواجهة بين الدول والأسواق، بل إنه يدور حول البحث عن أوجه التكامل بين الاثنين. إن أداء الدولة يتحسن عندما تحدد وتحمي حقوق الملكية وتفصل في النزاعات الناشئة عنها، في حين تعمل السوق بشكل أفضل عندما تخصص حقوق الملكية وتنظم الحوافز التي تحرك الناس.
وثانيا: يتعين على كل من الدولتين أن تتوصل إلى القياسات المناسبة لموازنة المصالح في الأمدين القريب والبعيد. ونظراً للمطالب بين الأجيال، والتأثيرات الضخمة غير المباشرة بين المجتمعات المختلفة، والاعتماد المتبادل مع بقية العالم، فإن أي نظام حكومي لا بد أن يزن مصالح النخب الحاكمة وجماعات الضغط مقابل مصالح الجماعات الأكثر ضعفاً والتي لا صوت لها، والمطالب الشعبية في مواجهة التخطيط الطويل الأجل.
وأخيرا، لا تتمثل القضية بالنسبة لكلا البلدين في الفساد أو التفاوت بين الناس - وهي مشاكل عالمية - بل في توفير الفرص المتساوية، وفي حالة الصين احترام حقوق الملكية. والواقع أن التحديد المبهم وغير العادل لحقوق ملكية الأراضي وتخصيصها في الصين، إلى جانب احتكارات الدولة والبيروقراطية المرهقة، يعمل على خلق تشوهات تسمح بنشوء الفساد والظلم. ولا بد أن تكون الأولوية القصوى بالنسبة للصين الآن تعزيز مؤسساتها القانونية لحماية حقوق الملكية، في حين تعمل على الحد من ملكية الدولة وسيطرتها على الموارد والمؤسسات الكبرى.
حتى الآن، كان النهج الواقعي الذي تبناه شي سبباً في رفع الآمال حول قدرة الصين على الدخول في مرحلة جديدة من الإصلاح من أجل معالجة الاختلال في التوازن الاقتصادي، وزيادة الشمولية الاجتماعية، والتعامل مع الفساد المستوطن. وفي الولايات المتحدة أدت إعادة انتخاب أوباما إلى حمل البعض على الاعتقاد بأن الإصلاحات السياسية المطلوبة بشدة من شأنها أن تعيد البلاد إلى الأمان بعيداً عن حافة ''الهاوية المالية''، وتبشر بعصر جديد من النمو.
ورغم هذا يتعين على كل من الزعيمين وإدارته أن يتغلب على التحديات الهائلة بينما تسعى بلاده جاهدة إلى بلوغ المرحلة التالية من التنمية. وقد تختلف الكيفية التي يستخدم بها كل منهما المؤسسات النقدية، والضريبية، والبنيوية، والمؤسسية، والسياسات التنظيمية، ولكن الحكم على كل منهما سوف يستند إلى مدى اقترابه من تحقيق هذه الغاية.

خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2012.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي