رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأطفال يعانون العنف ولكن..

أذكر أيام طفولتي أن استخدام وسائل العقاب الجسدي كان منتشراً لـ ''تأديب'' الأطفال. كان الواحد منا لا يستطيع النظر إلى وجه أبيه من كم الرهبة والخشية التي يشعر بها تجاهه. أسلوب الأدب هذا كان الوسيلة المعتمدة في التعامل مع الأخطاء والتجاوزات، بل كنا نقع ضحايا مقولة قديمة تقول للمعلم ''لك اللحم ولنا العظم''. كوسيلة لتأكيد الملكية الكلية للأب. كان الأطفال - في الواقع ''ملطشة'' للكبار.
لم أشعر طوال حياتي بكراهية لوالدي أو والدتي، جزء من ذلك كان بسبب أنهما لم يميلا إلى استخدام الوسائل العنيفة، فالوالدة - رحمها الله - كانت أرق من أن تفعل ذلك، بل كانت ''تغطي'' على بعض التجاوزات التي كنت أرتكبها. أما الوالد - غفر الله له - فلم يستخدم هذه الوسيلة معي سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. كان الجميع يعتبرونني الطفل المدلل، لكن هذا لم يمنع أن نكن الاحترام والرهبة لكبارنا، بسلوكهم وطريقة تعاطيهم معنا.
أهم عناصر القبول للآباء كانت انضباطهم الشديد. كان الأب ملتزماً في برنامجه اليومي، ومخلصاً في عمله، والقيام بواجباته الدينية، وبره بوالديه. تركيبة المجتمع وأسلوب التعامل في الحي أو القرية كانا مبنيين على احترام الصغار للكبار ولم يتضمنا الرحمة - المبالغ فيها - التي نراها اليوم.
لو سألت مدير مدرسة أو معلما اليوم عن أكبر صعوبات يواجهونها ستجدهم يشتكون من تعامل أولياء الأمور بشكل طفولي أقرب لسلوك أبنائهم. أذكر الكثير من القصص التي تحول فيها أولياء الأمور إلى فرقاء في مخاصمات أو ملاسنات مع كبار أمثالهم بسبب تحيز أعمى لوجهة نظر الابن.
لا أدري كيف تحول مجتمعنا من المسؤولية إلى انعدام المسؤولية؟ كيف أصبح الآباء غير قادرين على تربية أبنائهم وزرع مفاهيم وأخلاقيات قويمة فيهم؟ يمكن أن نعزو السبب إلى الانشغال بالعلاقات الشخصية، وانعدام المسؤولية، وانتشار وسائل تلهي الكثيرين عن القيام بأدوارهم المفترضة كالاستراحات والسفريات. يضاف إلى ذلك انعدام روح الأسرة داخل البيت الواحد.
يمكن أن نعزو الأسباب - أيضاً - لانشغال الأمهات وتحولهن إلى كيانات مستقلة.
دفعني للكتابة في هذا الموضوع ما قرأته في إحصائية لوزارة الشؤون الاجتماعية تقول إن 45 في المائة من أطفال المملكة يتعرضون للعنف اللفظي أو الجسدي. شخصياً، أعتقد أن هذا الرقم مبالغ فيه بشكل كبير. فلو كانت الإحصائية في سنين مضت عندما كان العنف وسيلة للتأديب لقلت ممكن، ولباركت هذه الإحصائية. لكن أن تكون هذه الإحصائية صادرة اليوم فهذا ما لا يمكن أن أصدقه.
قد ينظر البعض إلي بعين الغضب، لكنني أسألكم: هل يحترم الأطفال اليوم الكبار؟ هل يهاب أحد منهم أباه أو جاره؟ بل إن بعض علماء النفس يرى أن التعاطي بأسلوب الند مع الأطفال هو من أساليب التربية الصحيحة، وأنا أقول إن الطفل ما لم يشعر بأن وراءه من يتابعه ويعالج أخطاءه ويمنعه من السلوك غير القويم، فهو سيقع ضحية تجربة كل شيء سواء كان صحياً أو غير صحي.
أقول هذه الإحصائية غير صحيحة، صحيح أن هناك آباء غير أسوياء يعانون عقد نقص أو يمارسون سلوكيات غير قويمة أو ضحايا للإدمان من أي نوع كان، لكنهم - في رأيي - لا يمثلون 45 في المائة من الآباء. فاحترموا عقولنا رعاكم الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي