رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الشرطة المجتمعية والأمن

الأمن حالة ثقافية قبل أن يكون وضعا تنظيميا، حقيقة تؤكد أن الأمن لم يعد مسؤولية الجهات الأمنية وحسب، إنما مسؤولية مجتمعية بما تحمله الكلمة من معنى، فالخدمات الأمنية بطبيعتها شمولية ومترابطة ومتداخلة مكانيا وواسعة ومتعددة ومتنوعة موضوعيا. ومع ذلك عمليا، ليس باستطاعة الجهات الأمنية في أي دولة التواجد في كل مكان مهما بلغت إمكاناتها البشرية والمادية. كما أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والحضرية والتقنية تلقي بظلالها على طبيعة الخدمات الأمنية وأسلوبها، فمع التطور الهائل في النمو الحضري والطفرة الاقتصادية وتحول المجتمعات المحلية من مجتمعات صغيرة بسيطة متلاحمة إلى مجتمعات أكثر تعقيدا تتصف بالتفكك وغياب المصلحة الجماعية وسيطرة المصالح الخاصة. التواصل الاجتماعي لم يعد بتلك القوة بين سكان الحي وافتقدت الأحياء روح الجماعة والمسؤولية المشتركة وتلاشت قيمة التعاون والتكاتف وحلت بدلا عنها سلوكيات المباهاة والتنافس وحب الذات والإسراف والرياء الاجتماعي. لم يكن هذا التشكل الجديد للنسيج الاجتماعي مقتصرا على العلاقات الاجتماعية بين الناس، لكن حتى التنظيمات الحكومية البيروقراطية عززت هذه القطيعة وتفكيك النظرة المشتركة بنهجها المركزي وتخصصاتها العملية المتفرقة، حيث يعمل كل قطاع منفردا عن القطاعات الأخرى، كما سيطر فكر أن الجهاز الحكومي يمنح الخدمة والمواطن يستفيد منها بأسلوب الاتجاه الواحد بحيث لا يؤخذ رأي المواطنين في الاعتبار وإشراكهم في عملية صُنع القرار وتحديد نوع وكمية وجودة الخدمة المقدمة لهم. هذا الوضع خلق نوعا من الاتكالية والتهميش لدور المواطن في عملية التنمية في جميع مجالاتها، وبدا واضحا أنه مسلوب الإرادة ينتظر أن تقدم له الحكومة كل شيء دون أن يبادر ويجتهد ويسهم في تطوير مجتمعه وخدمة نفسه. وهذا في واقع الأمر نتيجة حتمية لما تربى عليه المواطن وما فرضته الأوضاع التنظيمية التي جذرت لمفهوم جديد لدور الحكومة في المجتمع والعلاقة بينها وبين المواطن في أن الجهاز الحكومي بسلطته العامة يتحمل كامل المسؤولية وغدا كبرياء وربما تعالي تلك الأجهزة يمنعها التواصل مع المواطن لتخلق مسافة بينها وبينه اعتقادا بأن هذا يكسبها الاحترام والهيبة! وهكذا أصبح المواطن ينظر للجهاز الحكومي من منطلق انفصالي ''نحن وهم'' وأصبحت العلاقة علاقة منفعية اقتصادية بالدرجة الأولى وليست علاقة حميمية مشتركة وتعاونية لدرجة أن المواطن أصبح يستجدي الخدمة استجداء. إن هذا التكبر الإداري للأجهزة الحكومية - إن جاز التعبير- أفقد المواطن الانتماء للمكان والإحساس بتملك قضاياه ومشاكله، وبلغ الأمر أن يُحمل الحكومة جميع الإخفاقات والمشاكل التي يعانيها. وما يزيد الطن بلة أن هذه العلاقة المبتورة بين المواطن والجهاز الحكومي امتدت حتى بين الأجهزة الحكومية نفسها ليكون كل قطاع يعمل على شاكلته وانفصال يصل إلى حد التنافس وربما التضاد ما عرقل إيجاد حلول شاملة وناجعة للمشاكل الاجتماعية. هذه المشاكل - خاصة على المستوى المحلي - تتسم بدرجة كبيرة من التعقيد وتتطلب نظرة مشتركة وتكاتف الجهود وتبادل الخبرات.
هذا التفكك المجتمعي أثر سلبا في الحالة الأمنية التي تستوجب تضافر الجهود والتعاون المشترك بين الناس من جهة وبينهم والجهات الأمنية من جهة أخرى. وهذا ما يستدعي إعادة تثقيف لجميع المتداخلين في العملية الأمنية في النظر للحالة الأمنية بنهج جديد مبني على حقيقة أن الأمن مسؤولية الجميع قولا وعملا وتنظيما، وأن تجنب وقوع الجريمة ومعالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية أمر يستدعي استحضاره ومنحه أولوية قصوى. وهذا يقتضي أن ينظر للأمن نظرة شمولية لا تقتصر على التعامل مع الجرائم، إنما تتعداها إلى خلق مجتمعات محلية تستطيع أن تسهم في أنشطة تنموية وترعى شؤونها وأن تصل إلى مستوى من النضج والمسؤولية في معالجة مشاكلها والعمل بوعي مشترك لتجاوز التحديات وخلق فرص للتطوير وتحقيق المنفعة الجماعية. وهو أمر يتطلب إعادة روح التعاون والتكاتف بين سكان الأحياء لأنه دون العمل الجماعي والرؤية المشتركة لا يمكن تحقيق المنفعة الجماعية. هذا التلاحم الاجتماعي والمسؤولية المجتمعية والعلاقة العملية التشاركية بين المواطن والجهات الأمنية هي ما تهدف لتحقيقه الشرطة المجتمعية. والتجارب الدولية في هذا المضمار تشير إلى نجاحات كبيرة وتؤكد أن الأمن يبدأ من المواطن وينتهي إليه ولا يمكن منطقيا وعمليا تحييده أو تهميشه. المنطلق الفلسفي للشرطة المجتمعية أن سكان الأحياء أدرى وأحرص وأقرب لشؤونهم، وبالتالي هم من يفترض أن يتولوا معالجة أمور حيهم. لكن السؤال: كيف لهم أن يحققوا العمل المشترك وأن يوحدوا جهودهم وينتظموا جماعيا دون وجود ترتيب مؤسسي يحقق ذلك ويكون قناة للتواصل فيما بينهم من جهة والأجهزة الأمنية من جهة أخرى؟ هذا التعاون يمتد ليشمل جميع الجهات الحكومية، فالخدمة الأمنية تقتضي تعاون جميع الأطراف في تقديمها وتحفيز المتدخلين للمبادرة وعلى الخصوص توجيه حب الاستطلاع لدى المواطنين نحو ما يفيد العملية الأمنية. الشرطة المجتمعية تمثل انطلاقة جديدة نحو إحياء قيم اجتماعية اندثرت بين أكوام التعاملات الورقية للبيروقراطيات وسيطرة الأنانية والاستحواذ. هل الناس مستعدون لهذا النهج الجديد ويتحمسون للتعاون مع الجهات الأمنية؟ هل منسوبو الجهات الأمنية سيقبلون هذه العلاقة التبادلية بينهم والمواطنين؟ الحقائق على الأرض تشير إلى أن فرصة النجاح كبيرة لأن الجميع وصل إلى قناعة أن مواجهة تحدي الجريمة تستدعي التعاون وأن يدا واحدة لا تستطيع التصفيق، كما يقول المثل. كما أن العمل التطوعي في مراكز الأحياء دليل واضح ومشرف لرغبة الناس في العمل التعاوني إلا أنها تحتاج إلى أن تتوسع في أدوارها وطبيعة عملها. لكن يبقى أن الشرطة المجتمعية تستهدف خلق ثقافة جديدة وتنظيم إداري يجعل الأمن مسؤولية الجميع تطبيقا وممارسة عملية لتكون الأحياء آمنة بأهلها تربية وتعليما ومراقبة وأمرا بمعروف ونهيا عن منكر وتعاونا على البر والتقوى وتواصلا مع الجهات الأمنية تعاونا مشتركا ودعما ومساندة ووقاية من الجريمة وتجفيفا لمنابعها والحيلولة دون وقوعها باقتلاع مسبباتها والمبادرة في خلق ظروف اقتصادية واجتماعية مناسبة للجميع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي