لُعبة مثيرة
ملامح جميلة أفرزتها انتخابات اتحاد كرة القدم السعودي، أعطت تأكيدات جديدة على أن الرياضة ميدان حضاري وقائد مهم في المجتمع الكبير ومحرك قوي ومحفز وباعث.
الجو الانتخابي أمس أشبه بمباراة تنافسية لا تعرف نتيجتها إلا مع الصافرة الأخيرة، وزادت جولة الإعادة من حدة التنافس والترقب والإثارة، وأثبتت أن كلا المرشحين يقف خلفه داعمون كُثر يضعون كل ثقتهم فيه.
عندما ترشح خالد بن معمر لمنافسة عيد كنت من أسعد الناس بالخبر، ليس كرها في عيد، بل رغبة في وجود سباق انتخابي يصل فيه الرئيس المنتخب إلى سدة الرئاسة بالأصوات لا بالتزكية كما كان سيكون لو سار عيد وحيدا.
أجواء الانتخابات، خلقت مناظرات تلفزيونية جميلة وحملات أجمل، وسباقا إعلاميا وجماهيريا، وتعليقات امتلأت بها مواقع التواصل الاجتماعي، وأحدثت حراكا تعدى حدود الوسط الرياضي إلى أوساط أخرى، فتداخل مثقفون وإعلاميون ونجوم في مجالات أخرى، تأكيد على أن الحدث كان مثيرا ولافتا ومهما.
شخصيا لم أكن أميل إلى أحد من الجانبين، وكتبت من قبل أن عيد يتفوق في كل شيء تقريبا على خالد بن معمر إلا في كون الثاني وجها جديدا يتطلبه التغيير، وكنت أعرف أن ابن معمر وُعِد من مصوتين خذلوه في آخر المطاف بعد تدخلات ''آخر الليل''، وتلك تدخلات مشروعة تبيحها الدساتير الرياضية في كل مكان، اعترافا بأن الانتخابات لعبة مثيرة تستمر حتى آخر ورقة في فرز الأصوات. فوز عيد بفارق صوتين مع غياب صوت عن الجمعية العمومية، ومع غياب الاكتساح الذي هدد به الأفراد المنتمون للحملتين، يمنح بقية المتابعين خبرة في الانتخابات نفسها في قادم السنوات، ويؤكد أن العمل خلف كواليس الانتخابات أجدى من التهديدات في المجالس والاتصالات.
أحمد عيد الحارس الأسطوري، رئيس النادي، نائب الرئيس، مدير المنتخب - سيرة تاريخية عطرة في الرياضة، وفوزه بلقب أول رئيس منتخب في تاريخ الاتحاد السعودي لكرة القدم يضاف إلى هذه السيرة ويتوجها وهو في السادسة والستين من عمره، أي قبل اعتزاله العمل الرياضي كما افترض بأربع سنوات هي مدة ولايته المنتظرة.
المشهد الأخير في هذه الانتخابات كان جميلا أيضا وأكد أن الرياضة فروسية وأخلاق إلا لدى من يحمّلونها أكثر مما تحتمل. مشهد عناق ابن معمر وعيد، مباركة الخاسر للفائز بالابتسامات والقبلات أظنه العنوان الأبرز في المشهد الحضاري الذي تبز به الرياضة قريناتها الأخريات في المجتمع السعودي الكبير.
مبروك لأحمد عيد، مبروك لكل أفراد حملته الانتخابية النجاح والفوز بالكرسي المثير، مبروك للكرة السعودية هذا المشهد الحضاري الجميل، وأعان الله عيد على مسؤولياته المقبلة، وليعرف قبل غيره أن المشوار المقبل صعب، وأن تفعيل القانون هو الطريق الوحيد للنجاح، وأن السعي خلف رضا الجميع لن يخلف إلا سخط الجميع.