طريق التنمية العمرانية المستدامة
قطاع المباني إجمالاً في الدول المتقدمة يسهم بما يربو على 50 في المائة من استهلاك الطاقة، هذه النسبة العالية تشمل مراحل ما قبل البناء وهي مرحلة تجهيز الموقع ونقل المواد، التي أحيانا تشحن من خارج نطاق المنطقة المستهدفة بالبناء، وهو مما يسهم في زيادة العبء على البيئة، إلى مرحلة الإنشاء ومن ثم الاستخدام التي تستهلك النسبة الأكبر من استهلاك الطاقة في التدفئة والتبريد، المباني مسؤولة تقريباً عما نسبته 50 في المائة من الانبعاث الكربوني وبما نسبته 10 في المائة من الميثان. يذكر ستيفين شاربلز أستاذ تقنية البناء في جامعة ليفربول في كتابه (Environment, Technology and Sustainability) أن هذه العملية المجهدة استمرت على مدى 50 عاماً إلى أن تم التنبه لها في ما عرف ببرتوكول مونتريال عام 1987م، نجاح بروتوكول مونتريال قادنا إلى اتفاقية طوكيو لإنقاص الانبعاث الكربوني في عام 1997م.
النسبة الأكثر من استهلاك الطاقة تتم في مرحلة ما يعرف بالطاقة التشغيلية، والحل الأسلم للتعاطي مع هذه المشكلة هو تصميم المبنى بحيث يكون كفؤا في استخدام الطاقة، من عدة نقاط، أولاً وضع استراتيجية كاملة أثناء مرحلة التصميم تسهم في تكامل الحلول المعطاة من فرق التصميم بمعنى أن يعمل المعماري والمهندس المدني والميكانيكي وباقي أعضاء الفريق في نظام غير منعزل لكي يتم وضع حلول تناسب جميع عناصر البناء، وهذه النقطة تحديداً منطلق رئيسي لدى عدد من منظمات تقييم أداء المباني البيئي مثل منظمة LEED الأمريكية أو BREEAM في بريطانيا.
#2#
أحد الأنظمة الشاملة في تصميم المباني وبالتحديد المساكن، والذي لاقى رواجاً وقبولاً في العديد من الأوساط العلمية والمهنية هو PassivHaus construction standard الذي تم تطويره في ألمانيا والذي يرتكز على عدة معطيات من أهمها نظام عزل متقدم، الاعتماد على الطاقة الشمسية قدر الإمكان، جودة في الهواء الداخلي للمبنى. ولقد تم تطوير برنامج حاسوبي يستطيع قياس إمكانية وصول التصميم المعطى لمعايير PassivHaus, وهو ما يعرف بـ The Passive House Planning Package .
وماذا بعد التصميم؟ أحد أهم الانتقادات لمفهوم العمارة المستدامة بشكل عام، هو كيفية التحقق من النسب المعطاة من قبل المعماري لتخفيض هدر الطاقة في المباني. وقد واجهتها شخصياً أثناء مرحلة دراسة الماجستير عندما قمت بوضع دراسة لأعمال المعماري البريطاني كين يانج وهو واحد من أهم المعماريين ذي التوجه المستدام في البناء، خصوصاً للمباني العالية، وقال لي مشرفو الأكاديمي صراحة إن هذه النسب المعطاة من قبل كين يانج هي وسائل لبيع منتجه ليس إلا، هذه الملاحظة أتاحت الفرصة للتعرف إلى مفهوم تقييم ما بعد الاستخدام، وهي دراسات تتم على مدى زمني محدد لمعرفة كيفية عمل المبنى، وهل حقق المعماري ما يصبو إليه من خفض لهدر الطاقة أم لا، ربما تحتاج إلى متخصصين وأحياناً إلى أجهزة محددة خصوصاً، وهذا ما نفتقده بشكل كبير في مجالنا المهني محلياً وإقليميا.
إذا سلمنا بأهمية عنصري التصميم والاختيار الأمثل لمواد البناء، بقي عنصر مهم وهو وسائل الطاقة المتجددة (بالإنجليزية: Renewable energy): هي الطّاقة المستمدة من الموارد الطّبيعية التي تتجدد أو الّتي لا يمكن أن تنفذ (الطّاقة المستدامة). ومصادر الطّاقة المتجددة، تختلف جوهرياً عن الوقود الأحفوري من بترول وفحم والغاز الطبيعي، أو الوقود النووي الّذي يستخدم في المفاعلات النووية. ولا تنشأ عن الطّاقة المتجددة عادةً مخلّفات كثنائي أكسيد الكربون (Co2) أو غازات ضارة أو تعمل على زيادة الاحتباس الحراري، كما يحدث عند احتراق الوقود الأحفوري أو المخلفات الذرية الضّارة النّاتجة من مفاعلات القوى النوويّة.
من خلال الموقع يمكننا عمل دراسة لأفضل وسائل الطاقة الطبيعية المتوافرة مثل طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية أو ما يعرف بالطاقة الحرارية المستدامة من داخل الأرض وأهم مثال عليها هي مدينة مصدر، إذ تعتمد على توريد طاقتها النظيفة بشكل رئيسي من خلال مد أنابيب لمسافات داخل باطن الأرض لتستمد منها الطاقة المتجددة، وهذا الخيار الأمثل الذي وجده المعماري نورمان فوستر عندما غير مقترح التصميم من الاعتماد على طاقة الرياح إلى الطاقة الحرارية الأرضية، وأيضا لدينا مثال آخر هو برج التجارة العالمي الذي وظف طاقة الرياح باستخدام ما يعرف بـ Wind Turbine ورغم أن النسبة، التي توفرها ليست بالكبيرة، وهي ما يقارب 15 في المائة من الكهرباء في المبنى، إلا أنها تجربة مهمة وبداية على طريق التنمية العمرانية المستدامة.
* معماري متخصص في عمارة الاستدامة والمباني العالية