إذاعات للجامعات لمواجهة إعلام الفضاءات

لم يعد الإعلام كما كان حكرا على المؤسسات الرسمية تتحكم في معلوماته ورسائله وتؤثر في توجهات الرأي العام. هذه حقيقة وتحد كبير يواجه الحكومات وعليها الاستعداد لإعادة صياغة كثير من أنظمتها وسياساتها وأساليب صنع القرارات. فالإعلام الجديد يقوم بإعادة تثقيف المجتمعات عبر فضاءات إعلامية واسعة لا حدود لها، لا في الزمان ولا المكان. فثورة تقنية المعلومات أحدثت انقلابا كبيرا في طرق نقل وتبادل المعلومات وبدا أن هناك انفلاتا إعلاميا يصعب التحكم فيه. ولا شك أن ما نشهده من تغيرات سياسية وثقافية واجتماعية في المنطقة هي من تداعيات نتائج الإعلام الجديد. لقد أثبتت الأحداث المتسارعة والكبيرة التي تمر بدول المنطقة، أو ما أطلق عليه الربيع العربي، أن الإعلام يلعب دورا كبيرا في إدارة المجتمعات وتحقيق استقرارها، ذلك أنه يقوم بخلق النظرة المشتركة وتشكيل الرأي العام الموحد في المجتمعات سواء كان ذلك للأفضل أو الأسواء، لكن يبقى من المهم النظر إلى هذا التغير الإعلامي العظيم بعين الحذر وأخذه على محمل الجد، فالتغيرات في المجتمع لا تحدث بين ليلة وضحاها، لكنها بكل تأكيد تتشكل عبر الوقت من خلال بناء تراكمي للتصورات الذهنية عن الحالة أو الوضع الاجتماعي في أذهان الناس حتى تصل إلى ذروتها وتتحول من أفكار ورؤى وقناعات جماعية إلى سلوكيات وفورات تصعب مواجهتها ولا يمكن قمعها وردها إلى ما كانت عليه من قبل. هذه التغيرات المجتمعية تسير في اتجاه واحد وتكتسب مع مرور الوقت قوة دفع تراكمية وتتسع دائرة تأثيرها ويكاد يكون من المستحيل إيقافها أو تهدئتها بردود أفعال آنية لحظية. هذا التصور الجماعي يخلقه ويغذيه الإعلام الجديد، فكل من يمتلك حاسوبا هو بمنزلة وزارة إعلام يبث أفكاره ويدعو إليها ويجمع الناس حولها ويجعلهم يبدؤون مسارا واتجاها ونهجا جديدا يحدد ما يصح وما لا يصح ويكون صورة جديدة أو ربما أوهاما في أذهان متلقيه، وهذا في واقع الأمر عملية إعادة تثقيف، أو بتعبير أدق "غسل مخ" تمارس على الناس من خلال تلك القنوات الإلكترونية. وإذا اجتمع الناس على أمر حتى إن كان وهميا وسواء كان خيرا أو شرا فهو أمر جد خطير ومخيف. فالتفكير الجماعي يقود إلى الحماس العاطفي ويغذي نفسه بنفسه حتى يخرج سلوكيات الناس عن دائرة المصلحة العامة ويخل بالأمن والسلم الاجتماعي، وعندما تنفلت زمام الأمور تحدث فوضى وغوغائية ويختلط الحابل بالنابل وتغيب الحكمة والتفكير العقلاني وينزع الناس نحو الاحتكام إلى القوة والانتماءات الضيقة والعصبية.
في ظل ضعف القنوات المؤسسية للتعبير تكون هناك مساحة كبيرة للمعلومات المغلوطة والشائعات ويكون الناس مهيئين لتلقيها على أنها حقائق طالما أنها ترضي أهواءهم وتؤكد ما يدور في أذهانهم من تخيلات. وهكذا يقف الإعلام الرسمي وتعامله البيروقراطي وفكره التقليدي مشدوها لا يستطيع النفاذ إلى عقول الناس سبيلا! ويكون في موقف تنافسي ضعيف مع هذه القنوات الإعلامية الإلكترونية التي تزداد جاذبية ورونقا ويجد الكثيرون فيها ضالتهم في الحصول على المعلومة في الحال وبسرعة طلبها، بغض النظر عن مصدرها ومدى صدقها. وتسابق الناس على قنوات الإعلام الجديد هو بسبب تعطشهم للمعلومات التي فشلت القنوات الرسمية في تقديمها لهم كما ونوعا وجودة، وظلت على النسق الرتيب ذاته الذي لا يحترم عقول وثقافة وذائقة المتلقين. وهنا تبرز تساؤلات عدة: كيف لنا كمجتمع أن نحصن أنفسنا وثوابتنا الوطنية من هذا التسونامي الإعلامي الجديد والنجاة من الانجراف الثقافي خاصة في فئة الشباب؟ وما السبل الإعلامية التي يمكن ابتكارها لتكون أكثر جاذبية للمتلقين؟ وكيف للإعلام أن يلعب دورا كبيرا في تنمية المجتمع وتعزيز لحمته وتكوين صورة جماعية جذابة حقيقية؟ ما القنوات الإعلامية والأنشطة الاجتماعية والتغيرات السياسية التي يجب استحداثها لمواجهة هذا التحدي العظيم؟
إن الشرط الأساسي للنجاح في إحداث تغيرات إيجابية ومؤثرة وحاسمة هو البدء من الآن وفي الحال في عمل ما يجب لمواجهة التحديات الكبيرة واستباق الأحداث وأخذ ذلك كله على محمل الجد والالتزام بخطة طريق تتضمن حلولا إعلامية وسياسية وثقافية واجتماعية. ولأن فئة الشباب يمثلون النسبة الأكبر من المجتمع كان لزاما أن يكونوا موضع الاهتمام وأن يحتلوا أولوية في أجندة العمل الحكومية والسياسات العامة، خاصة المتعلقة بالإعلام. من بين المقترحات إنشاء إذاعات تابعة للجامعات يقوم عليها طلاب الجامعة، تكون منهم وإليهم، تبث برامج تتناول قضاياهم وهمومهم الأكاديمية والاجتماعية، كما أنها تمثل حلقة وصل مع المجتمع تسهم في نشر الثقافة والدراسات وتبادل المعلومات وتقود نحو تحفيز المجتمع للعمل الجماعي المثمر وتحقيق جهود التنمية المحلية. ومتى ما شعر الشباب أن إذاعة الجامعة تهتم بشؤونهم المعيشية اليومية وتواكب ما يحدث في مجتمعهم المحلي تعلقوا بها وانجذبوا إليها وعندها نكون قد نجحنا في إيجاد قناة إعلامية تنافس إن لم نقل إنها توظف قنوات الإعلام الجديد لمصلحة المجتمع. إن الدور الرئيس الذي ستلعبه الإذاعة الجامعية هو إيصال الرسالة الإعلامية للجامعة وتوجهاتها التطويرية ورفع مستوى الوعي لدى الطلاب والطالبات وزيادة التفاعل الإيجابي وتبادل المعلومات بين منسوبي الجامعة. هكذا تكون الجامعات أكثر حيوية وأكثر إسهاما في توجيه المجتمع المحلي وتعزيز الثوابت الوطنية التي هي مدار كينونتنا واستقرارنا، التي وفي خضم التغيرات الكبيرة والتحولات الثقافية، قد لا تكون واضحة للشباب ولربما لم يقدروها ولم يسعوا للحفاظ عليها. الأمر الوحيد الذي قد يقف عائقا أمام تنفيذ هذا المشروع الإعلامي كبير الأهمية، منخفض التكلفة، عظيم المنافع، هو الخوف غير المبرر الذي لا يجعلنا نرى الأمور على حقيقتها ويضيع الفرصة في بناء فكر وثقافة تناسب العصر وتعمق الولاء السياسي وتعزز الانتماء الوطني وتجعلنا أكثر استعدادا لمواجهة التحديات المستقبلية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي