حروب إلكترونية
سقوط مهندس الحروب الإلكترونية
أزعم أن أكبر خسارة يعانيها الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع بداية فترة رئاسته الجديدة ليست فقدان كلينتون أو بانيتا، إنما الرجل الذي يعتبر مهندس عملية الخروج من العراق وأفغانستان والتخلص من بن لادن، الذي استخدم فيلما يوثق اغتياله عرض في آخر أسابيع الحملة الانتخابية لجمع المزيد من الأصوات. ذلك هو رئيس الاستخبارات الأمريكية الجنرال ديفيد بترايوس.
لا أستبعد أن يكون الرجل ضحية عملية نفذتها جهات استخبارية أجنبية، فالباحث في سلوك وتاريخ حياة بترايوس يجده خاليا من جميع الشوائب، لكنه سقط في فخ قديم، هو المرأة، رغم أنه يحمل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية. المرأة التي أسقطت كثيرين قبله وستسقط الكثيرين بعده. مرد هذا الجهد للتخلص من بترايوس هو نبوغه في تنفيذ المهام التي كلف بها. قدرته الفائقة على التعامل مع الواقع وتبني الأفكار الجديدة والمتغيرة. وضع بترايوس خطة الاستخدام الفعلي للعمليات الناعمة في تنفيذ الأعمال بدلا من التدخل العسكري المباشر.
''حقبة العمليات الافتراضية'' هو الاسم الذي أطلقه بترايوس على السنوات العشر المقبلة. بدأت العمليات بالتهديد من خلال الفيروسات المسلطة على أجهزة الحواسب والشبكات ومنها العملية ضد المفاعلات النووية، ثم بدأ الاعتماد على الأقمار الصناعية في متابعة أعداء الولايات المتحدة، وتحديد مواقعهم وأنماط حركتهم، ليتم تنفيذ عمليات جراحية بواسطة وحدات قليلة العدد كعملية اغتيال أسامة بن لادن. بعد هذا النجاح الصارخ، أصبح أوباما لا يقدم على قرار إلا بعد أن يسأل عنه رجل استخباراته الأول.
أصبحت عمليات الولايات المتحدة إلكترونية بحتة في كل مكان، فأطلقت طائراتها من دون طيار في باكستان واليمن وأفغانستان ومواقع لا نعلم عنها بالتأكيد، والمؤكد هو أن العمليات المستقبلية ستعتمد على تدمير العدو إلكترونيا أو شله على الأقل ليرجع إلى الخلف عقودا بعملية قليلة التكلفة. محاولة العودة للتوازن ستستهلك الكثير من الوقت، بسبب السرعة الهائلة التي تتقدم بها قدرات دول العالم في الحاسب الآلي.
بدأت أغلبية المخابرات العالمية تكوين جيوش الإنترنت، وهي مجموعات من علماء الحاسب الآلي الذين يمكن أن يكلفوا بمهام التعامل مع التهديدات التي تواجهها دولهم، والتعرف على نوايا دول أخرى، أو اختراق شبكات الدول للتعرف على إمكاناتها وطرق تعاملها مع مختلف الأزمات. وهو تقدم يجب أن تتبناه جميع دول العالم، لأن الإنفاق على الأسلحة والمنتجات الحربية يستهلك نسبا كبيرة من ميزانيات هذه الدول رغم عدم استخدامها سوى في التمارين العسكرية، وقد لا تطلق أي طلقة في عمليات عسكرية، وهو ما يشجع على استخدام هذه القوة الناعمة للتعامل مع التهديدات والاستفادة القصوى من المصادر المالية وتمكين التقنية.
صحيفة ''الاقتصادية'' تتفاعل
ما دام الحديث عن الإلكترونيات والعالم الافتراضي، فلا بد أن نعرج على الحرب القادمة في عالم الصحافة، التي ستكون الصحافة الإلكترونية ميدانها وهدفها في الوقت نفسه. هذا التطور حالة لا يمكن تفاديها، وقد تصبح الصحيفة الورقية من الماضي أو وسيلة للتسلية في القطارات أو المقاهي في وقت قريب جدا.
المثير في عالم الإنترنت أن كل الوعود والتوقعات تصبح حقائق قبل المواعيد التي يحددها الخبراء. هذا يعني أن الحديث عن عام 2040 حديث مملوء بالتفاؤل بالنسبة للمعتمدين على الورق ومبيعاته وصحفه ومجلاته. الواقع يقول: إن عام 2020 سيأتي ونحن نتعامل مع الصحف في مجال السحب (cloud) وهو مكان تحفظ فيه ما تريد ما دام غير معرض للهجوم الاستخباري الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة.
ماذا يعني هذا للأستاذ سلمان الدوسري وزملائه؟ سؤال مهم جدا، يدفعنا لتغيير الخطط وتمكين أقسام الصحف الإلكترونية من خلال المزيد من مختصي التسويق والترويج والتصميم والعلاقات العامة كأهداف رئيسة منذ الآن. تظهر العناية بالقسم الإلكتروني بشكل واضح في الصحف الأمريكية والأوروبية التي تسيطر حاليا على السوق. وأرى في صحف الإمارات الإلكترونية تطورا لافتا في المجال. يشكل ظهور ''الاقتصادية'' الإلكترونية في ثوبها الجديد بداية عهد كامل من التفاعل مع تطورات العصر، وأتمنى أن أرى المزيد من التطوير والخدمات والتفاعل فيها.
وبحسب التوقعات فإن الدولة قد تصبح غير مهتمة بالاشتراك في الصحف الورقية مستقبلا. لكن هل يمكن أن تشترك في الصحف الإلكترونية؟ هذا السؤال يجيب عنه خبراء التخطيط والتسويق والمبيعات، من خلال الورش والندوات والمؤتمرات التي يخلصون فيها نحو إيجاد وسائل استقطاب المشتركين في مواقع مفتوحة ومواقع أخرى للمشتركين فقط، وتحديد ما يمكن أن تفعله الصحيفة لتصبح جاذبة للمشتركين وللمعلنين من خلال برامج الترويج والهدايا والعروض التي تعتمد عليها شركات سبقتهم في المجال. الأكيد أن الصحافة ككل لا بد أن تتنافس في نسخها الإلكترونية وتستثمر فيها دون الاعتماد على التقديرات المتفائلة لتاريخ انتهاء صلاحية الصحافة الورقية.
حرب ساهر الإلكترونية
يعتبر ''تويتر'' واحدا من أهم عناصر العالم الافتراضي الذي يعتمد عليه الكثير من رواد هذا العالم. ''تويتر'' أدخل ''ساهر'' في معركة إلكترونية جديدة، شبيهة بحروب بترايوس التي بدأت بها المقال. تجد اليوم ''هاشتاقات'' تنبه سائقي السيارات على الطرق السريعة إلى مواقع كاميرات ''ساهر''. يبدأ المسافر رحلته بالدخول على ''تويتر'' والتعرف على المواقع التي يجب أن ينتبه لوجود هذا الصياد الذي كان ماهرا قبل أن يُفقِده ''تويتر'' مهارته فيها، فلا الأنفاق تنفع ولا الاختباء خلف الكباري ولا استخدام ميول الأرض يجدي مع تغريدات مستخدمي الطريق. فهل يستسلم ''ساهر'' ويرفع يديه أمام ''تويتر''، أم يجد مسؤولوه وسائل حماية جديدة تجعله يتغلب على ''تويتر''؟