رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الرقابة المالية .. تعقيد يفضي للفساد

كفاءة العمل الحكومي مرتكز أساس للتنمية الوطنية، وشرط في فاعلية القطاع الخاص، فوراء كل اقتصاد ناجح أداء حكومي متميز. والقصد من الكفاءة هو إنتاج المطلوب اجتماعيا بأعلى جودة وأقل تكلفة، لكن العمل الحكومي أكثر تعقيدا من أن يستطيع تحقيق ذلك. والسبب الرئيس أن الجهاز الحكومي مطالب بتقديم الخدمة لجميع المواطنين دون استثناء وبالتساوي، لذا لا يمكنه الاستجابة للتفاوت في أذواقهم وتفضيلاتهم نوعًا وكمًّا، وهذا يعني بطبيعة الحال أن هناك فئات من الناس لن يحصلوا على ما يريدون بالقدر الكافي. ومن هنا كانت معضلة القرار العام في أنه توافقي يحقق الحد الأدنى من الرضا بين آراء الأطراف المختلفة المتداخلة في صناعته، ولا ينشد تعظيم العائد من الخدمات المقدمة لكل فرد. الأمر الآخر هو عدم الربط بين المنفعة المقدمة للأفراد وتكاليفها، فالخدمات الحكومية يتم شراؤها جماعيا، أي من خلال التمويل العام، بعكس السلع والخدمات الخاصة التي تكون فيها العلاقة بين التكلفة التي يدفعها الفرد والمنفعة التي يتحصل عليها من شرائه للسلعة مباشرة وواضحة. عدم الربط بين المنفعة والتكلفة في تقديم الخدمات العامة يجعل من الصعب قياس أداء الجهاز الحكومي، وبالتالي تقل البواعث والدافعية نحو الإنتاجية. كما أن عدم وجود منافسة في تقديم خدمات مماثلة للقطاع الحكومي لا تكون هناك مرجعية لقياس الأداء وتحديد مستواه. ولهذا يلجأ القطاع الحكومي إلى الاعتماد على الإجراءات الداخلية في صناعة القرار بدلا من الاستجابة إلى المتغيرات في البيئة. هذا التركيز على الإجراءات الداخلية يفقد الجهاز الحكومي خاصية المرونة إلى درجة تقلل من تحقيق أهدافه والمصالح العليا للوطن، خاصة في ظل ضعف صلاحيات وأدوار المجالس النيابية.
إن النهج الإداري الحكومي ينطلق من التحكم والسيطرة والنمطية، وليس الإبداع والتغيير والمرونة. وهو نهج يقصد منه الحفاظ على المال العام، والتأكد من أن المخصصات المالية تورد وتصرف بالطريقة الصحيحة، إلا أن الإغراق في الإجراءات دون النظر إلى النتائج والتاثير النهائي للمخصصات يجعل العملية مضيعة للوقت والمصالح العليا للوطن، وربما كانت مدعاة للفساد الإداري. ولا شك أن الفساد الإداري تحد كبير، وآفة تستنزف المال العام، سعت الدولة لمواجهته والحد منه بإنشاء أجهزة وهيئات رقابية متعددة، لكنها طرق علاجية وليست وقائية. إن الرقابة والتدقيق على الإجراءات الورقية دون الأخذ في الاعتبار تحقيق مصالح المواطنين على أساس من مؤشرات الأداء، تؤدي إلى مكافأة المتقاعسين، وتعزز ثقافة اللامبالاة، وتقتل روح المبادرة والإبداع. وهكذا يتم التركيز على جانب المدخلات دون ربطها بالمخرجات. هذا التقييد يسلب الموظفين العموم فرصة تطوير العمل والتفكير الإبداعي في وضع حلول مبتكرة. المشكلة أن النظام المالي أشبه ما يكون ببيت العنكبوت، يصطاد الحشرات الصغيرة وتقتلعه الريح العاتية. والوقائع الإدارية تشير إلى أنه من السهل الالتفاف على النظام، لتبدو الأمور على أكمل وجه ورقيا. هذا الالتفاف أو مخالفة النظام ليست بالضرورة فسادًا إداريًّا، إنما يجد المسؤول نفسه في أوضاع كثيرة مضطرّا إلى ذلك لضرورة تسيير العمل وخدمة الناس، لكن بطبيعة الحال هناك من ضعاف النفوس من يحتال على النظام، ويستغل الفجوات والنمطية البليدة من أجل تحقيق مكاسب شخصية. الجميع على قناعة بأن النظام المالي عقيم ويقف حجر عثرة أمام تنفيذ المهام، ومعظم إجراءته ضد منطق الأمور، ولا تتفق مع الواقع ومتطلباته، والدليل أن المسؤولين العمليين الذين يسعون في خدمة الناس لا يميلون إلى تطبيقه؛ لأنهم ببساطة يجدون أنفسهم مجبرين على تجاوز تعقيداته التي لا معنى لها من أجل المصلحة العامة، لكن السؤال: إذا كان الجميع مستاء من النظام المالي، على أقل تقدير أولئك المسؤولين الجادين والنزيهين، الذين لديهم دافع نحو الإنجاز، فلماذا لا يتم تعديله وتطويره بما يتفق مع متطلبات الأداء المتميز؟! ولماذا استطاع هذا النظام الذي مضى عليه ردح من الزمان، ويعاني الكثير من العلل أن يستمر إلى الوقت الحاضر؟! ربما يعود ذلك إلى أن الوفرة المالية تجعل من الممكن تحمل تكلفته وستر عيوبه، لكن السبب الجوهري في الواقع أن هناك مستفيدين من هذا النظام الذي ظاهره الرسمية والانضباط وباطنه التراخي وسهولة الاختراق.
إن مشكلة النظام المالي تكمن في تطبيق ميزانية البنود وليس الأداء، وهذا يعني أن المخصصات وإجراءات صرفها تتحول لهدف في حد ذاته، وبذلك لا يمكن مراقبتها إلا ورقيا وليس فعليا، ويتعذر قياس تأثيرها في الأرض، لذا يمكن الاختلاس ومضاعفة تكلفة المشاريع الحكومية ومنح الهبات عبر الانتداب والوقت الإضافي وغيرها طالما أنها ورقيًّا سليمة الإجراءات دون أن يستطيع المراقب المالي الاعتراض حتى إن علم بغير ذلك. وربما فسر ذلك وقوف التأثير الفعلي للإنفاق السخي للدولة عند أدنى حدوده؛ لذا كان من الضروري عدم الاكتفاء بالرقابة البيروقراطية وإجراءاتها الرتيبة، إنما بات من الضروري أن تكون هناك رقابة مجتمعية من قبل المجالس النيابية (مجلس الشورى، ومجالس المناطق، والمجالس المحلية والبلدية). وإذا كان النظام المالي يُخالف أكثر مما يُتبع، فهذا مؤشر واضح إلى أنه لم يعد يصلح للتطبيق، وأنه حان الوقت لتغييره. ومن يقرأ النظام المالي قراءة تحليلية يجد أنه كتب بعقلية تفترض أن المسؤول محل ريبة وشك، وأنه لا يستحق الثقة مع أنه يتولى منصبًا عامًّا يتطلب أن يكون أهلاً للثقة. والنظام يبدأ محاسبة المسؤول قبل حتى أن يشرع في العمل، ودون ربط قراراته المالية بأدائه، وهذا يؤدي إلى جنوح المسؤول إلى التراخي والعمل في حدود ضيقة، وعدم النظر إلى خدمة الناس، إنما حماية نفسه من الاتهامات التي يوجهها المراقب المالي. إنه وضع لا يمكن ولا يفترض أن يستمر.. فهل يبادر مجلس الشورى إلى مراجعة النظام المالي واقتراح نظام جديد يعتمد على قياس الأداء والشفافية والمحاسبة؟ هذا ما يُتطلع إليه، وعسى أن يكون في القريب العاجل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي