الاقتصاد الإسلامي.. وأهمية النظرة الشمولية
الاقتصاد الإسلامي هو الجانب الذي يتعلق بالمال والثروة والملكية والإنتاج من الشريعة الإسلامية، وبداية التشريع في هذا الجانب جاءت أيضا مع بدايات التشريع الإسلامي، فمنذ أن بعث النبي - صلى لله عليه وسلم - كان التشريع المتعلق بالأمور الاقتصادية جزءا من التشريع الإسلامي، وتوزيع الثروة من خلال الإنفاق والصدقة والزكاة، بل مر ذلك بمراحل تراعي حال المسلمين من ضعف وحاجة إلى مرحلة الاستقرار وبناء الدولة في المدينة، وكانت توجيهات النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث عن القضايا الاقتصادية تدور بين بيان الحقوق والالتزامات تجاهها، ومسألة تحفيز البذل والعطاء، إضافة إلى الواقعية التي تتفهم الغريزة الإنسانية تجاه المال.
عند الحديث عن الاقتصاد الإسلامي قد يتبادر للبعض اليوم بصورة أكبر قضية التمويل والبنوك الإسلامية، حيث أصبحت تحظى بنصيب الأسد عند الحديث عن الاقتصاد الإسلامي، وقد يكون ذلك مبررا لأسباب منها أهمية موضوع البنوك والتمويل في الاقتصاد، إضافة إلى جانب النقاش الكبير حول شرعية المعاملات البنكية عموما ومعاملات البنوك الإسلامية على وجه الخصوص، حيث إن كثيرا من المعاملات الحالية للبنوك الإسلامية دائما ما تكون موضوعا للنقاش فيما يتعلق بحكمها شرعا، والاهتمام عالميا بها، إضافة إلى العناية الخاصة بها من قبل كثير من الباحثين والخبراء والعلماء حيث أصبحت الإدارة الشرعية والهيئة الشرعية جزءا من هذه المؤسسات.
الحقيقة أن الاقتصاد الإسلامي بالمنظور الشامل يتناول قضايا كثيرة جدا، إذ إن المال والثروة والعمل والإنتاج والموارد قضايا مرتبطة بمعظم القضايا في الشريعة الإسلامية، فلو نظرنا إلى قضايا كثيرة في العبادات والمعاملات المالية والقضاء والعلاقات الأسرية والأطعمة لوجدنا أن فيها قضايا كثيرة مرتبطة بالاقتصاد الإسلامي، إذا ما نظرنا أيضا إلى قضايا كثيرة تمارس بصورة مستمرة في حياة الناس على مستوى الدولة والأفراد والعلاقات الدولية لوجدنا أن هناك قضايا كثيرة لا تعدو إلا أن تكون جزءا مما ينبغي أن يكون مكونا لقضايا تتعلق بالاقتصاد الإسلامي، فهو جزء من العلوم الإسلامية، مصدرها التشريع الإسلامي، إضافة إلى أن له خصائص الشريعة الإسلامية من جهة استيعابه المستجدات والتفاعل معها بما يحقق المصلحة العامة للأمة الإسلامية وللإنسانية، وذلك بطبيعة عالمية الرسالة الإسلامية. إضافة إلى أن من خصائص التشريع الإسلامي فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية أنه يتولى جانب المبادرة في الأمور الخيرية والاجتماعية والإنسانية.
ولو نظرنا إلى كثير من مظاهر معاملات الناس اليوم سنجد الكثير الذي يمكن أن يكون مكونا للاقتصاد الإسلامي بمفهومه الشامل، فالدعم الحكومي للأنشطة الاقتصادية من خلال تمويل المشاريع التنموية سواء كانت الصناعية أو الزراعية أو العقارية، إضافة إلى التمويل الذي يهدف إلى تلبية احتياجات المجتمع مثل تمويل بناء المساكن، إضافة إلى المؤسسات الخيرية والاجتماعية وغيرها يمكن من خلالها صياغة مفهوم شمولي للاقتصاد الإسلامي.
هذه النظرة الشمولية للاقتصاد الإسلامي لها أهمية كبيرة من جهة أنها تعزز إبراز جانب العدالة الاجتماعية في الإسلام، وتعطي تصورا واضحا عن مقاصد وغايات التشريع الإسلامي تسهل على الباحث والخبير التعامل مع المستجدات بما يحقق غايات التشريع الإسلامي الخاص بالأمور الاقتصادية، لذلك نجد جانب المبادرة فيما يتعلق بالأمور الخيرية والإنسانية وما يخدم المجتمع، فقد ألزمت الشريعة الإسلامية بالزكاة وصور من النفقات، كما أنها حفزت أيضا على الصدقة والأوقاف، والإقراض دون أي نوع من العوائد، إضافة إلى صورة مختلفة من صرف المال في أوجه الخير، أما فيما يتعلق بمعاملات الناس فإنها لم تتناول ذلك بصورة سلبية مطلقا ولا إيجابية مطلقا، بل تناولت ذلك من خلال تنظيم هذه المعاملات ووضع معايير عامة تحقق العدالة في المجتمع وتعطي كل ذي حق حقه، دون أن تميل إلى طرف على حساب الآخر، إضافة إلى أنها لم تقف موقفا سلبيا مما يستجد من معاملات انعكاسا لتطور النمط الاقتصادي لدى البشر. يضاف إلى ذلك أن الشريعة الإسلامية تحفز على سعي الإنسان للعمل والكسب بما يحق له ولمن يعوله الاكتفاء ماليا وللمجتمع تلبية احتياجاته، حتى لو كان ذلك على حساب الإكثار من العبادة، بل إنها جعلت من هذه المعاملات الإنسانية الدنيوية صورة من صور العبادة غير المباشرة من خلال تعزيز القيم الإيمانية مثل الصدق والأمانة والتسامح.
الخلاصة أنه من الأهمية بمكان دراسة الاقتصاد الإسلامي بالمفهوم الشامل الذي يتناول جوانب التكامل في الاقتصاد الإسلامي، من العناية بالجوانب الإنسانية والاجتماعية، ووضع معايير للمعاملات المالية، والتفاعل بصورة إيجابية مع القضايا الاقتصادية مثل الثروة والعمل والإنتاج والموارد، والمرونة في التعاطي مع ما يستجد من قضايا الاقتصاد.