صناعة المستقبل .. تبدأ الآن
دوام الحال من المحال، سنة الله في خلقه، فتبدل الأحوال نلاحظه في تغيرات تعتري أجسادنا ومجتمعاتنا وبيئتنا وكل شيء من حولنا. ومعظم التغيرات التي تحدث تأتي دون استئذان ودون حول منا ولا قوة تملي على الإنسان والمجتمعات العمل على التقليل من تأثيراتها السلبية إن لم يكن تحاشيها، وأن تقتنص ما تجلبه من فرص، وربما كان ذلك الشرط الأساس في نهضة أي مجتمع وتقدمه. المجتمعات القادرة على إدراك التغيرات والتنبؤ بها والاستعداد لها تكون أكثر قدرة على التحكم فيها وتوظيفها لمصلحتها. التغيرات التي لا يتم إدراكها والتخطيط لمواجهتها ومسايرتها تكون مفاجئة، وبالتالي يصعب التعامل معها. فالإعداد لمواجهة تحديات المستقبل يتطلب وقتا وتفكيرا وجهدا وموارد، ولا يمكن تحقيق أي تغيير بين ليلة وضحاها. لقد أصبح المستقبل أكثر غموضا وتعقيدا وازدادت صعوبة التنبوء به نتيجة تسارع وقع التغيرات وتزايد حجمها ودرجة الاعتمادية بين المجتمعات، لذا كان من الضروري انتهاج أسلوب جديد في صناعة القرارات العامة يكون أكثر حساسية للتوجهات العامة وأكثر مرونة واستجابة للمتغيرات الداخلية والخارجية. نظام يبتعد عن الشخصنة والنظر للأمور من منظور ضيق وإطار زمني قصير والبحث عن صيغ جديدة تضمن مسايرة المستجدات ومواجهة تحديات المستقبل. هذا يتطلب يقظة ووعيا واعترافا صريحا وواضحا أنه حان وقت التغيير بما يتناسب مع المعطيات على الأرض. إن غموض المستقبل يمثل التحدي الأكبر لكل المجتمعات، خاصة تلك التي تنعم بالأمن والأمان والاستقرار فترة طويلة من الزمن مثل مجتمعنا، إذ سيكون من الصعب عليه التخلي عما اعتاده من استقرار ورخاء ونمط التفكير والعلاقات والانتقال إلى أوضاع جديدة تعتمد على افتراضات وتصورات جديدة في العلاقات بين مكونات المجتمع وصياغة شكل جديد في إدارته. ومع صعوبة هذا التحول الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فهماً وتطبيقاً، إلا أنه بكل تأكيد أمر ضروري وحتمي وعاجل. لقد آن الأوان لإدراك حقيقة أن ما كان مناسبا فيما مضى لا يصلح لمواجهة الظروف المستجدة، وأن علينا رؤية الأوضاع بموضوعية وحيادية وخارج إطار المعتاد واتخاذ قرارت مصيرية وحاسمة وجريئة ومطلوبة. هذا التكيف مع المستجدات بإعادة ترتيب الأمور على نسق جديد يضمن تعزيز الثوابت الوطنية التي هي أساس الهوية الوطنية ومدار وحدتتنا ولحمتنا، وهي تتطلب بكل تأكيد البحث عن منطلقات وصيغ جديدة تجدد وتؤكد شرعيتها وتؤسس لترابط اجتماعي بين جميع مستويات المجتمع بما يتفق مع المستجدات والحقائق على الأرض. وهنا تبرز أهمية تطوير آليات وإجراءات تضمن استمرارية الاستقرار السياسي والأمن الوطني وقوة وتلاحم الجبهة الداخلية، وتكون أكثر وضوحا تجنبا للاختلاف والتنازع والتشرذم. كما أن المشاركة الشعبية في صناعة القرار العام وتجسيد سياسية الباب المفتوح إحدى أهم القيم السياسية للنظام السعودي على أساس مؤسسي جميعها تمثل مرتكزات أساسية في تعزيز المسيرة الوطنية. إن وضوح الأهداف الوطنية والمسؤوليات والمهام والأدوار وقناعة العموم بالتوجهات الجديدة أمر في غاية الأهمية ويقود نحو تقوية اللحمة الوطنية التي هي رأسمالنا الاجتماعي وجوهر اجتماعنا ونعمة من الله بها علينا تستحق الرعاية والشكر قولا وعملا وتضحية.
إن صناعة المستقبل تبدأ الأن! بالتفكير الجاد والنظرة الواقعية ووضع الأمور في نصابها، والأهم الالتزام بتنفيذ خطة طويلة المدى للتنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية تُعدنا وتُمكننا من مواجهة تحديات المستقبل. فعملية البناء تستغرق وقتا طويلا وتتحقق تأثيراتها بعد حين وتتطلب التضحية بالحاضر ورفاهيته والتخلي عن الاستمتاع بمنطقة الراحة من أجل مستقبل مستقر آمن يعزز العلاقة الحميمية الشرعية بين الحاكم والمحكوم. لم يعد التفكير في المستقبل اختيارا أو رفاهية سياسية، إنما ضرورة تحتمها الأوضاع المتأزمة من حولنا والتغيرات السكانية والثقافية والتقنية التي تستوجب التلاحم وتوجيه طاقاتنا ومواردنا نحو أهداف استراتيجية تقودنا في نهاية المطاف إلى تحقيق تصورات ورؤى جديدة تتناسب مع روح العصر. ولا شك أن الرخاء والتنمية الاقتصادية تتطلب استقرارا سياسيا من خلال تطوير قدرة نظامنا السياسي على الاستجابة للمتغيرات واستيعاب المستجدات. هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التنازل عن ثوابتنا الوطنية، إنما إعادة صياغتها بطريقة جديدة وخلق مسار واضح المعالم ورؤية مشتركة وعقد اجتماعي لا يترك مجالا للاختلاف والفرقة. والحقيقة التي لا مراء فيها أننا جميعا في السفينة نفسها وعلينا جميعا تجنيبها الأمواج العاتية والاتجاه بها نحو شاطئ الأمان كل من موقعه وحسب استطاعته. الوضع لا يحتمل البحث عن المصالح الذاتية الآنية على حساب المصالح العليا للوطن، المطلوب هو التفكير في مستقبل الأجيال القادمة وكيف ستؤول الأمور عليه وكيف نرسم لهم خريطة طريق تحفظ وحدتنا وقيمنا وثوابتنا الوطنية. ربما كانت الكلمة السحرية هنا الاستدامة بالاستعداد والالتزام في صناعة مستقبل وتهيئة الظروف الصحيحة التي من أهمها نظام متكامل لإدارة الاختلاف وتربية سياسية ترتكز على الحوار والنقاش والاحترام المتبادل في إطار المصالح العليا للوطن. لذا فإن الشفافية في رسم المستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أصبح ضرورة ملحة في ظل الإعلام الجديد والفضاءات الواسعة لتبادل المعلومات وحتى نقطع دابر الشائعات والذين يتصيدون الأخطاء ويثيرون الشبهات ويزعزعون حال الاستقرار ونعمة الأخوة والترابط القوي بين مكونات المجتمع. وقد يكون من الجدير في هذا السياق تخصيص أحد الحوارات الوطنية للنظر في التوجهات المستقبلية للوطن ووسائل تحقيقها. الوطن غال وقد بذل فيه الأجداد دماءهم رخيصة بقياد الوالد الملك عبد العزيز، وكان حقا علينا الحفاظ عليه ليظل واحة أمن وأمان وعز ورخاء وسدا منيعا في وجه الأعداء والحاقدين. وسيظل الشعب السعودي المؤمن الوفي يسير خلف قيادته السياسية التي تحكم بالشرع وبه تعدل صفا كأنهم بنيان مرصوص لا يلتفتون لأصوات النشاز ونعيق المتطرفين، من أجل ذلك لنبدأ الآن.. صناعة المستقبل.