زحمة ميسي وموكب رئيس الوزراء

وصلت بصعوبة إلى الجامع حيث تقام صلاة الميت على والد أحد الزملاء - تغمده الله برحمته - بعد أن حوَّل المصلون الشوارع إلى موقف سيارات، لدرجة أن عربات الإسعاف التي تحمل الجثامين كانت تحت حصار السيارات. تمكن مجموعة من السائقين من العبور إلى الجهة الشمالية حيث كانت كل الشوارع شبه مغلقة. بالكاد تمكنا من الوقوف على بعد 300 متر بعيداً عن الجامع، حيث كانت توجد مواقف بأعداد معقولة.
بعدها بيومين - وكان يوم جمعة - مررت أمام جامعين من أكبر جوامع الرياض حيث تستمر المأساة، بل تتضاعف يوماً بعد يوم. يأتي المصلي متأخراً، وبدلا من أن يبحث عن موقف شاغر قد يبعد 50 أو 100 متر، يوقف سيارته وسط الشارع، غير آبه بالأذى الذي يسببه للآخرين، ولا أبالغ إن قلت إنني رأيت سيارة واقفة وسط الشارع بعد انتهاء الصلاة بأكثر من نصف ساعة.
كان أحد الزملاء يتحدث عن الخلاف في أمور مثل السواك بعد ظهر رمضان وهوية عالم معين ولزوم التمسك بآرائه - مهما كانت. الواقع أننا تعمقنا في أمور الدين التعبدية إلى أن وصلنا إلى طريق مسدود بسبب البحث عن الاختلافات بين العلماء والمذاهب. أعتقد أنه آن الأوان ليركز العلماء والدعاة على تطبيق الدعوة إلى جزء أهملوه لسنين وهو المعاملة. يفقد المجتمع عقلانيته وتوازنه بسبب الكذب والنفاق والأنانية وسوء الخلق والظن والإساءة للآخرين والظلم، وغيرها من أنماط السلوك التي حرمها الشرع الحنيف، بل هي تسيء أول ما تسيء إلى الدين نفسه، وتجعل حتى أفراد المجتمع الأقل التزاماً يبتعدون عن الدين ويبحثون عن مثالب من يُعتبرون ممثلين للدين في نظر المجتمع.
زحمة من نوع آخر عشناها بوصول منتخب الأرجنتين مطار الرياض. كانت أعداد المستقبلين كبيرة، وتعامل الأمن والمنظمون مع الموقف بشكل غير مقبول أبداً. تلك الحالة جعلت ميسي يظهر في صورة نشرتها كل وسائل الإعلام وهو يواجه ''خشم البندق''. بدت على اللاعب الأغلى في العالم علامات الخوف من ذلك الموقف وأظنه تأسف على حضوره، لم تتحمل ميزانية الاستضافة العالية توفير حافلة على مستوى الضيف، بل كانت تابعة لحملة حج مكتملة الشكل العام الذي أخاف الضيوف. شدة الخوف هذه دفعت مدرب المنتخب الأرجنتيني إلى منع أي تحركات أو زيارات أو برامج سياحية، وهو ما زاد الطين بلة، فاعتقد اللاعبون أنهم في معتقل وليس جولة رياضية يواجهون فيها منتخباً يمثل دولة من دول العشرين. أعتقد أن الفزع استمر مع اللاعبين حتى يوم المباراة. أكاد أتصور أحدهم يفكر ماذا سأفعل لو هبط الجمهور إلى أرض الملعب. لقد نجحت خطة الاتحاد في إصابة الخصم بالرعب وتمكن منتخبنا الذي يحتل المركز 112 على مستوى العالم من التعادل مع المنتخب الذي يحتل المركز الثالث، برافو.
يوم الجمعة الثاني من شهر المحرم شهد زيارة رئيس الوزراء المصري لقطاع غزة حيث احتشد عدد هائل من الصحافيين والمصورين في الشارع ومداخل رئاسة الوزراء لدرجة أنك بالكاد تميز رئيسي الوزراء الفلسطيني والمصري من الأشخاص الذين كانوا '' يترززون'' أمام الكاميرات. الكل كان مكشوفاً، رجال الأمن والاستخبارات والموظفون الرسميون، لكن الأكثر انكشافاً كانوا هم رجال المراسم والعلاقات العامة الذين ''لم'' ينظموا الزيارة بالشكل الذي يبرز أهميتها ودورها في تغيير مسار الصراع العربي - الإسرائيلي باستعادة مصر دورها القيادي الذي طال انتظاره.
استمر الزحام في ''مستشفى الشفاء'' بشكل يسيء إلى العالم العربي ككل، فالمرضى يكادون يختنقون، المصورون يصعدون على أسرتهم وينتهكون خصوصيتهم. حتى إن قريب إحدى المريضات كان يحاول باستمرار تغطية جسد قريبته والكاميرات تطارده. الورود التي كان يفترض أن توزع تناثرت في كل مكان، وعمليات الإسعاف تعرضت للإيقاف وتحول الأطباء إلى رجال أمن يحافظون على حماية المواقع التي لن يزورها الضيف.
استمر انعدام التنظيم، واستمر الأشخاص يتنقلون دون حاجة. يكفي أن تشاهد المؤتمر الصحافي وكيف كان هشام قنديل يحاول التقاط أنفاسه وهو يتحدث للناس. نشاهد هذا يتكرر في كل مكان وكل مؤتمر صحافي أو زيارة في العالم العربي.. فمتى تنتهي هذه الزحمة ويذهب كل منا إلى عمله؟
شاهدت قبل أسبوع تقريباً مقطعا خرج فيه رئيس وزراء السويد من مكتبه متوجهاً إلى مسكنه. كان بانتظار رئيس الوزراء أربعة صحافيين بالعدد، وخرج في موكبه المكون من دراجته الهوائية، بالعامي ''سيكله''. ثم التحق به حارسه الشخصي، نعم حارس شخصي واحد، إلى أن وصلا إلى مقر سكنه، مارين من خلال طابور سيارات لم يأبه أي ممن فيه بالشخص الذي مر أمامه. هذا الشخص الذي يقود دولة يتجاوز إجمالي ناتجها المحلي الإنتاج المحلي الإجمالي لـ15 دولة عربية. أتوقع لو جمعنا عدد حرس رؤساء هذه الدول لتجاوز العدد الخمسة آلاف. هل يذكركم هذا بشيء؟ لا أدري عنكم، أما أنا فيذكرني بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما توجه إلى فلسطين ليتسلم مفاتيح القدس، كان الفاروق يتبادل ركوب راحلة واحدة مع خادمه طول المسافة التي تفصل بين المدينة المنورة والقدس وهي تتجاوز 900 كليو متر.
هكذا سدنا، وهكذا يسودون هم اليوم.. أبعد الله الزحمة عنا وعنكم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي