رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحطيئيون.. والمشاركة في صنع القرار

أستفتح مقالي بأبيات للحطيئة يهجو فيها نفسه، ولا أعلم أحدا من العالمين هجا نفسه وأباه وأمه وعشيرته سوى الحطيئة، وأولئك الذين يكتبون مقالات موغلة في نقد الذات وكل ما حولهم، وربما لا نحتاج إلى اختبارات الموروثات الجينية حتى نتبين أن أولئك القوم من نسله. فها هو الحطيئة يرى وجهه على صفحة الماء فما يلبث أن يقول هذه الأبيات:

أبـت شـفتاي الـيوم إلا تـكلماً
بـسوءٍ فـما أدري لمن أنا قائله
أرى لـي وجـهاً شوَّه الله خلقهُ
فـقُبِّح مـن وجـهٍ وقُبِّح حامله

يصفه الأصمعي بقوله: كان الحطيئة جشعاً سؤولاً ملحاحاً دنيء النفس كثير الشرَّ قليل الخير بخيلاً قبيح المنظر رث الهيئة فاسد الدين بذيئاً هجَاء.
والحالة الحطيئية نلاحظها - مع الأسف - في بعض مقالات الصحف الورقية وكتابات الفضاءات الإلكترونية. فهناك من يتخصص في رسم صورة سوداوية عن المجتمع والدولة وانتهاج أسلوب التحقير يصل حد الإسفاف، وكأنما يفتعل في صدورهم حالة من الانتقام والآلام النفسية فيسارعون للانتقاد ليس بنية الإصلاح والتناصح، إنما التقليل من جهود الآخرين. أحدهم أفرد مقالا يصف به المواطنين السعوديين بأقذع الأوصاف وبسخرية سمجة وتعميم جاهل وتحقير وكأنه ليس منهم. احتقار الآخرين أمر مرفوض بعمومه فكيف إذا كان موجها لأبناء جلدته ومن هم على ملته؟! إن التعدي بالسخرية وبأوصاف مكذوبة وملفقة أو تكبيرها عما هي عليه منهي عنه شرعا، يقول سبحانه وتعالي ''يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُم....'' ، ومن يقوم بهذا الفعل لا شك أنه مريض النفس، قاصر العقل، سيئ الأدب، قليل الولاء، لا يملك علما يصده عن هذا السفه وخلق يمنعه عن سوء القول. ولم أشأ تقديم أمثلة على أولئك الذين يهرفون بما لا يعرفون ويسخرون أقلامهم وأوقاتهم لانتقاص الآخرين بهتانا وزورا وهم كثر، عملا بنصيحة الإمام الشافعي - رحمه الله:

إذا نطق السفيه فلا تجبه
فخير من إجابته السكوت
فإن كلمته فرجت عنه
وإن خليته كمدا يموت

ومع ذلك لا بد من وقفة تأمل مع هذه الكتابات النشاز التي بدت تقترب لتكون ظاهرة، فكأني بمن أراد الشهرة والظهور سخر قلمه للانتقاد اللاذع وتهويل الأمور والتعرض للأشخاص والمؤسسات بأسلوب يخرج عن دائرة الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمجادلة بالتي هي أحسن تطبيقا لنهج ''وقولوا للناس حسنا''. وتراهم يسارعون في نشر الأخبار السيئة ويبثون الشائعات شهوة من عند أنفسهم للفت الانتباه إليهم وأنهم بزعهم هم من يتصدى للشأن العام ويتكلم باسم العموم. والأمر وإن بدا حالات فردية، إلا أنه له تبعات خطيرة على المجتمع وتعزيز لثقافة المظلومية والانكسار والهدم والتخلي عن المسؤولية وإلقاء اللائمة على الآخرين. وعلى أن الانتقاد الجارح المبني على المغالطات خلق غير مقبول مهما كانت مبرراته إلا أن معرفة أسبابه تساعد على وضع حلول ناجعة لهذه الظاهرة السيئة الخطيرة. قد يكون من بين أهم تلك الأسباب حال التهميش المؤسسي للرأي العام وعدم وجود قنوات رسمية للتعبير العام يستطيع المواطن من خلالها المشاركة في صنع القرارات التي تهمه أو الاعتراض على الإجراءات التي تؤثر سلبا في حياته. هذا الفراغ المؤسسي أوجد حالة ضبابية في التوجهات العامة وشح في المعلومات الرسمية ما يقلل فرصة الناس في معرفة الحقائق والمشاركة في تحمل جزء من مسؤولية ما يحدث على أرض الواقع. عدم المداخلة في صنع القرار يجعل العموم ينزعون نحو الاتكالية والوقوف موقف المتفرج لما يحدث من حولهم ما يحولهم إما إلى نقاد يشيرون بأصابع الاتهام لهذه الجهة أو تلك أو باحثين عن الإثارة ونقل الشائعات والأحاديث المغلوطة وعدم التثبت من صحتها أو تصيد الأخطاء. هذا - مع الأسف - نتيجة حتمية للنظام الإداري المركزي البيروقراطي وغياب أو ضعف المشاركة المؤسسية. وفي ظل التغيرات السريعة في الداخل والخارج وتزايد التحديات الحياتية والضغوط المعيشية يكون الناس أكثر استعدادا لتقبل الطرح الجارح والنقد السلبي والمعلومات المغلوطة. ولا شك أن هناك حالة من الإحباط يعيشها البعض يجعلهم أكثر عرضة لتقبل الشائعات والأكاذيب أو تضخيم الأخطاء. وهكذا يبرز نجم الحطيئيين الناقمين على كل شيء فيسلطون أقلامهم على نقد المجتمع بلغة استهزائية وكأنما لا توجد أخطاء إلا لدينا، حتى أجسادنا وأشكالنا التي هي من صنع الله لم تسلم من أقوالهم السخيفة المبتذلة. هذا لا يعني أننا مجتمع ملائكي وأنه لا توجد أخطاء وأنه ليس هناك ضرورة للنقد والإصلاح، لكن الإشكالية في أسلوب ولغة الطرح التي تثير الفتنة وتستفز العموم وتشوش الوضع العام وتعزز التفكير السلبي. وإذا ما استمر هذا الطرح السلبي فإنه يتحول مع مرور الزمن إلى خطر داهم لأنه يشكل في عقول العموم تصورات ذهنية خاطئة وفي أنفسهم غضب ومشاعر سلبية غير مبررة ما يجعلهم مهيئين للاستثارة والغوغائية والخروج عن الصف والإجماع متى ما كانت الظروف مواتية. وفي ظل الفضاءات الإعلامية المفتوحة وتقنية المعلومات التي تتيح الفرصة لانتقال المعلومة بسرعة كتابتها أو نطقها في كل أرجاء المعمورة، يتطلب إيجاد أسلوب إداري حكومي يتيج فرصة مشاركة المواطنين في صنع القرار العام بما يضمن الاستجابة لاحتياجاتهم وتطلعاتهم بكفاءة وفاعلية وتجعلهم في الوقت ذاته يتملكون مشكلاتهم ويكونوا مسؤولين عما يحدث في محيطهم الاجتماعي وعلى دراية تامة بواقعهم وما يخطط لمستقبلهم. هكذا نضيق الخناق على الناقمين بتوسيع المشاركة الشعبية لتقل الأخطأ وإن وقعت يكون إصلاحها مسؤولية الجميع. هذا يستدعي بالضرورة إعادة صياغة نظام الإدارة الحكومية والتحول من المركزية والبيروقراطية الشديدة إلى اللا مركزية وتمكين مجالس الشورى والمناطق والمجالس المحلية والبلدية بمنحها الاستقلال الإداري والمالي لتقريب صانع القرار أكثر للمواطنين وعندها نتمكن كمجتمع من القضاء على حطيئيي هذا الزمان!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي