بهدوء.. تقويم تجربة حج هذا العام
كتبت مقالي ''نجاح موسم الحج.. ثمرة تطبيق مفاهيم الإدارة والقيادة'' قبل عام تقريباً. حقق المسؤولون عن الحج في تلك السنة نجاحات كبيرة. وظهرت نتائج البحث عن الأخطاء وحلها بعد الحج بفترة قصيرة، وهو ما يخطط لتنفيذه من قبل لجان الحج على مختلف مستوياتها. أريد في مقالي هذا أن أقدم مداخلة قد تكون مفيدة في معالجة ما ظهر من سلبيات ودعم الإيجابيات التي شاهدناها في هذا العام، حققت الجهود نجاحات جيدة في ظل دعم لا محدود من القيادة.
عانى تخطيط وتنفيذ أنشطة الجهات المختلفة في موسم هذا العام ثلاث قضايا رئيسة هي: الإشكالات الهيكلية، والتحديات البنيوية، والمخالفات البشرية. كل واحدة من هذه القضايا تحتاج إلى دراسات وبحوث للتعامل معها.
الإشكالات الهيكلية: وأقصد بها علاقة القطاعات الحكومية بالحج وكيف تنظر إليه وتديره. أكبر الإشكالات الهيكلية هي وجود لجنتين تسيطران على جهود الدولة في الحج. ولو كانت واحدة لكانت أقدر على التحكم في كل الموارد وتوزيعها بما يتطلبه الموقف. وجود أكثر من جهة قد يكون سبباً في ضعف السيطرة وتشتت الجهد وانعدام وحدة القيادة.
كما تعمل في نطاق المشاعر أغلب - إن لم يكن كل الوزارات - وهذا قد يكون مقبولاً في وقت سابق، لكنه معوِّق في وقت وصل إليه عدد الحجاج إلى أربعة ملايين. هذه حالة تستدعي التركيز على الجهد الاحترافي والتوقف عن المجاملات. المجاملات التي تمنح لبعض الوزارات أعداداً من الحجاج الذين تستضيفهم من داخل المملكة وخارجها دون مبرر. أزعم أن الحاج الذي يكون ضيفاً على جهة حكومية سيستهلك أكثر مما يستهلكه عشرة حجاج ممن يدفعون من حر مالهم للوصول إلى البيت المقدس وأداء الشعيرة العظيمة. يضاف إلى ذلك أن بعض الضيوف هم ممن يحجون سنوياً على حساب هذه الجهات. إن وجود هؤلاء يسيء إلى عملية إدارة الحج من نواح كثيرة تشمل التضييق على المشاة بالسيارات، والسير في مواكب قد تؤثر في سمعة الحج وتستخدم لأغراض الإساءة إليه كما شاهدنا في بعض المقاطع لحجاج كانوا ضيوفاً على إحدى الوزارات.
تشمل الإشكالات الهيكلية عملية إنشاء مقار للوزارات والهيئات في منطقة المشاعر، ما يضيق على الحجاج والجهات التي تقوم بخدمة الحجيج. يجب أن تكون مشاركات الوزارات محدودة في الجهات ذات العلاقة، وأن نتخلص من الاعتقاد الخاطئ بأن استضافة أشخاص محددين من كل وزارة سيسهم في إعطاء انطباع عام جيد عن جهود الدولة في الحج، وهو ما لم نشاهده في وسائل الإعلام، بل إن الجهد الذي يبذل لخدمة الحاج العادي هو الذي سيثمر سمعة وأداء وكفاءة في العمل.
أما المشكلات والمعوقات البنيوية، وأهمها البنى التحتية التي تخدم الحج فهي تحد أقل صعوبة، خصوصاً أن المخصصات الحكومية مستمرة وعلى وتيرة متسارعة. الأهم في هذه الأعمال هو الإنجاز المتفوق والسريع وبتكلفة معقولة. يأتي جسر الجمرات مثالاً على نجاح التعامل مع مشكلة التدافع، حيث استثمرت الدولة دون تحفظ في أكثر فكرة تكلفة وطموحاً وحققت نجاحاً متميزاً. كما تبقى أهمية توزيع الكم الكافي من الكاميرات في كل المواقع لتيسير عملية السيطرة والحل الفوري للإشكالات.
لماذا لم يحقق القطار النجاح نفسه رغم الصرف غير المتحفظ عليه كمشروع؟ أكاد أجزم بأن تشغيل أي جهاز أو معدة أو منظومة لمدة خمسة أيام كل سنة سبب رئيس. هذا القطار بحكم توقفه طول العام وعدم تعامل موظفيه مع الحشود إلا خلال فترة محدودة سيبقى إشكالية تستمر في المواسم المقبلة مهما تم من تغييرات في خطط التشغيل وتوقيتات العمل، ولن أتحدث عن قضية الإضراب التي شاعت بين الحجاج، لكنني أتمنى أن يتم تشغيل القطار طول العام من خلال إنجاز مسارات له داخل مكة المكرمة بحيث يصل إلى نقاط داخل المدينة، ويستخدم طول العام.. تشغيل القطار داخل المدينة طول العام، خصوصاً في أشهر رجب وشعبان ورمضان حيث كثافة المعتمرين، سيؤدي إلى نجاحه من خلال تعامل منسوبي التشغيل مع العمليات بشكل يومي.
يظل العنصر البشري أكثر العناصر إشكالية في كل عمليات الإصلاح والتطوير وإعادة الهيكلة. توعية الحجاج وتعليمهم من خلال دورات تنفذ في قاعات ومواقع داخل دولهم وتحديد سن معينة، والمطالبة بفحص طبي من جهة موثوقة قبل منح التأشيرة قد يفيد. تطبيق العقوبات على كل من يتجاوز الحدود في قضايا مثل قضايا الافتراش، والسماح لغير المصرح لهم بالدخول، وبيع الأسرة في المخيمات. يضاف إلى ذلك إلزام المؤسسات بخطط تفويج منطقية وعلمية مرنة تدار بالحاسب الآلي، ووضع عقوبات مغلظة على المخالفين من الأمور المهمة. يجب أن تحقق كل جهة قدراً من النضج وفاعلية الرقابة على جميع موظفيها، والاستفادة القصوى من الموارد البشرية المكلفة في الحج بحيث يمكن السيطرة على كل شيء وتقديم المساعدة لكل الحجيج بالشكل المطلوب.
تضاف إلى هذا كله العناية بالشفافية والمسؤولية والمصداقية من قبل كل من حملوا مسؤولية خدمة حجاج بيت الله، ووجود متحدثين ذوي خبرة في التواصل ومهارات التأثير في الرأي العام، خصوصاً عندما نعلم أن هناك أكثر من مليون ساعة من التصوير الذي يقوم به الحجاج لتوثيق هذه الرحلة المقدسة، وستكون هناك أسئلة محرجة لا بد من التعامل معها بعقلانية وصدق وشفافية للمحافظة على مصداقية الجهات المنظمة للحج.