ورَمٌ بالأمّة!

* ''عندما يتفقُ الجميعُ على ما أقول، أشعر أنني كنتُ على خطأ!''- أوسكار وايلد.

أتحدث اليوم عمّن يتلقون النفاقَ ويصدقونه، أو يتلقونه فيقبلون به، والفرق بين الحالتين..
أما الذين يصدقون النفاقَ، فهم من الذين يحتاجون إلى تدخل سريع للعلاج النفساني، ولا يصدّق النفاقَ الصريحَ إلا المنفوخون أساساً من ذواتهم، ولا أمل في إصلاحهم من قِبَل أنفسهم، فلا بد أن يكون العلاجُ خارجيا متخصّصاً، وهم مثل أي مريض مصاب بعلَّة من العلل، لكن لو أن الأمر شأنهم ولا يتعداهم. المصائب تحلّ عندما يكون لأحد من هذه فئة منفذ إلى سُلْطة، فهو لن يفهمها كما يجب أن تكون موظَّفة للخدمة العامة، لأنه مصابٌ بالعمى التقديري، وهذا المرض يغطي خلايا الإدراك والإبصار في الدماغ فيعطل توخي الصورة بكامل عناصرها، لتقتصر السلطة لزيادة إيقاع الانتشاء الفردي والدوخان في عشق الذات، كالفرن دون عجين داخله أجوف إلا من ذاته، أو أنه أجوفٌ بذاته. ثم يأتي ويتحولق أهل ''الجوْقة'' المعروفة وهم هؤلاء الظراف جداً: المنافقون. والنوعية العاشقة لذواتها مهمة سهلة للمنافقين، بل هي تاج مُتـَعِهم، فليس على المنافق أن يجدَّ كثيراً، أو أن يحكّ حجرَ حكمة التهويل والنفاق، فعاشق ذاته يُكْفـِيه الكثيرَ من العناء.. وهنا، ما لم يكن هناك تدخل لشخص قوي وصادق لنصح النرجسي العاشق لذاته بالتماس العلاج، وهذا أمرٌ أندر من أندر خامات الأرض، فإن الأمرَ سيستمر وبالاً على الناس الذين كان يجب أن تشملهم خدماتُ سلطة عاشق الذات، ونعمة دسمة له وللجوقة الأنيسة حوله. ونخاف على هذه الفئة أن يأتي التأثيرُ قالعاً ماسحاً مثلما رأينا بأمهات أعيننا لمنفوخين ملأوا الجو فجأة، ثم انفجروا في الهواءِ وتلاشوا مع ذرّاته.
وهناك نوع أدهى، وهم محبو النفاق والمنافقين حباً فيه، على طريقة ما نسمع من الفنانين الذين يقولون إنهم يحبون الفنَّ للفن، أو الأدبَ للأدب، يعني أن النفاقَ بالنسبة لهم مسألة إرادية بحتة، نابعة إما من تربية جعلتهم يتأكدون أنهم محور الدنيا، أو لأنهم عاشوا وضاعةً في عمرهم وتعرّضوا للهـِنة والإهانة في سابق تجاربهم، ومتى ما تسللوا للسلطة فهم يشتهون ويتمتعون بسادية في تذلـّل من حولهم، فيبادرون إلى جمع الجوقة المنافقة الذين ستلتف على رقابهم حبالُ عاشقي النفاق للنفاق، لأنهم يعمدُون جمعَ المنافقين ليحتقروهم ويحملوهم مهاوي الفشل، ويتباهوا وحدهم، بواسطتهم، بمظاهر النجاح.. وبالتالي، فإن الجوقة لا أثر لها في صُنع القرار إلا في تطريب أذن عاشق النفاق، الذي يطرب في إذلالهم، ويطرب بالتحكم في الناس. وهذا النوعُ يخطئ خطأ متكرراً عبر التاريخ في أن نهايته تقع دائماً من أقرب الحلقاتِ إليه، من الجوقة المنافقة ذاتها التي تنشحنُ مع الوقت بعذاباتِ الإذلال، فما أن ترى أي مؤشر للخيانة تبادر لسلِّ الخنجر مسموماً للطعن في ظهر مَن سامَهم سوءَ وانحدارَ تعاملٍ لزمن. ويرينا الحاضرُ بأمهات أعيننا حوادث جرت لاندحار عاشقي الذات.. وابحث دائما عن الجوقة القريبة التي صنعها بيديه!
ونوعٌ من عاشقي المنافقين والنفاق كالورم الحميد يُشغلُ فراغاً، ويتاخِمُ عضواً، ويمتصّ عضلة، إلا أنه لا يرهق كلّ الجسم، ومهما كبر فإنه أثره يبقى في الحدود المسموح بضررها، وهو النوع الذي يحرص بين فينة وأخرى على أعمال بطولية ونفعية لمجرد أن يَسْمَع من حوله يعزفون له على قيثارات المديح فيصيبه دوارٌ لذيذ من السعادة. وهؤلاء عادة لا يصنعون جوقات نفاقهم بأنفسهم، ولكنهم يتعمدون إسداء الخدمات، وفتح صناديق الكرم، ليأتي من أُغْدِق عليهم ويتناولون القيثارات المسندة إلى الأرائك فيستوون ويعزفون أجمل الألحان، ويغيب هو في فرح وراحة ما بعدهما .. على أنه نوع من الورم الحميد، متى ما بدأ يزيد انتفاخا ويزاحم الأعضاءَ حتى يضايقها ويسد عنها المجاري الحيوية، فيُنتزع أو يُستأصَل كاملاً. لذا فهذا النوع متى ما زاد سفـَه واحدهم واستباحته للمال يأتي مَن يقتلعه بسهولة من الناس الذين حوله ليأخذوا السلطة، فيعصرهُ التعجبُ والاستنكارُ: كيف فـُعِل بهِ ذلك؟! فقد كان رجلاً ''حميداً''.. ولكن، لم يقل له أحدٌ إنه أيضاً كان ''ورماً''!
والعملة النفاقية، من أكثر العملات شيوعاً.. وصدق مَن قال: ''العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من .. السوق!''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي