رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مَن سرق الميزان؟

أين الميزان؟ وأين المكيال وباقي الريال؟ لم نعد نجد من ذلك شيئا، لا في الأسواق الكبرى ولا في سوق الخضار. لا في سوق اللحوم ولا في المواشي ولا عند العطارين، حتى أصبحنا نزن الزجاج ذهبا. في المراكز التجارية الكبرى لا تسأل عن ''الفكة''، تبرع بباقي ريالك أو خذ ''علكه''. في سوق الخضار استبدلوا الميزان بشيء يسمونه ''المكتل الصغير''، الذي لا وزن معروفا له ثم أدخلوا فيه من الأكياس البلاستيكيه ما يملأ نصفه. تنبه ولا تسأل هناك عن الميزان إنه يغضبهم. ثم إذا قبلت بالهم الذي لم يقبل بك واشتريت منهم ما لا تعرف وزنه ولا مصدره ولا خطورته عليك وأسرتك وحملت كل ذلك معك إلى سوق التمور فلا تسأل عن تلك الأشياء الصغيرة التي وضعوا فيها الرطب. وإذا سألتهم عن الوزن قيل ثلاثة أو أربعة أو بينهما ثم لا تجد لك عليهم وكيلا ولا مشرفا ولا حتى لهم عميد، فلكل واحد منهم سعره وهو رب نفسه. دع منك هذا كله واذهب لسوق الماشية فلقد تعلمت الآن ما يكفي عن الوزن وطريقة تحديد الأسعار فلا تسأل عن ميزان ولا مثمنين كأنك في حراج للسيارات (بيع للسمك في البحر). لكن تنبه لنصيحة مجرب ولا تسأل جارك في المسلخ بكم اشترى لأنك سوف ''تموت قهرا'' منهم، كيف استغلوا جهلك. لا تغضب كثيرا فعزاؤك أن معك الكثير. احمل لحمك مع اللحم الذي اشتريته مع خضارك وتمرك ولا تذهب للعطارين اذهب إلى منزلك قبل أن تكتشف أن جميع ما اشتريته غير صالح للأكل. في سوق الذهب يباع الزجاج بسعر الذهب وستكتشف عندما تضيق بك الدنيا أنك ستبيعهم ''شيئا'' لا هو ذهب عندهم ولا بزجاج عندك، لا هم اشتروا بوزن هذا وسعره ولا أنت سترضى بوزن ذاك وسعره. وفي العقار حدث ولا حرج فكلٌ هناك شيخ نفسه.
يقول الله - جل وعلا ''ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ'' ويقول '' وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ '' وقال الله تعالى في سورة هود عن قصه مدين وبعد قصة قوم لوط (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ). ولقد قامت السموات والأرض بالعدل والميزان، وعرفنا أنه لو اقتربت الأرض من الشمس قليلا لاحترقت ولو بعدت عنها كذلك لتجمدنا فيها. من المؤلم أن نقرأ كتاب لله ليل نهار ونذكره في هذه الأشهر الحرم ثم لا نهتدي بهديه ولا نخشى عقابه. علوم الأرض كلها، بل حضارتها اليوم لم تقم إلا على دقة القياس ووضع الموازين الدقيقة لكل شيء. لم يتطور علم المحاسبة ولا القوائم المالية ولا التحليل المالي ولا علم الاقتصاد كله ولا حتى السياسية والانتخابات والديمقراطية والحريات، إلا عندما تم تطوير نظريات القياس. لم يتقدم العلم إلا عندما تطورت الرياضيات ومعها تم تجريد الحقائق الطبيعية إلى معادلات رياضية حتى أصبحنا نعرف بدقة متناهية مدى تأثير التغير البسيط جدا في أصغر ذرة في الكون في أصغر ذرة أخرى فيه، وكيف أن تأثير هذه في هذه قد يخلق قنبلة عظيمة أو فيضانا هائلا من الماء. هذا كله خلق أفقا واسعا من المعرفة تطورت على أثره الفيزياء ثم الطب ثم الحياة الإنسانية بأسرها، وأصبحنا بفضل الله ثم القياس الدقيق نرى الإنسان خلقا بعد خلق في ظلمات ثلاث. كيف لمقالي أن يرى النور لو لم يتطور علم الحاسب الآلي والبريد الإلكتروني، وكيف لك أن تقرأه عزيز القارئ لو لم يقم الحاسب الآلي بقياس ووزن كل كلمة بل كل حرف فيه؟.
لقد عرف العالم أن تقدم الإنسان مرهون بتقدمه في علم القياس حتى علوم النفس والاجتماع تطورت بعدما تطورت لديها دقة القياس لسلوك الإنسان وعلاقاته وذكائه، حتى تعصبه، عرفنا عندما قسنا أين نحن من الآخرين وأين الآخرون منا. ونحن أهل القياس ومن فتحنا الأرض بكتاب الله وميزانه ولما تقدم المقياس والوزن والعلم معهما في كل الأرض وجنى العالمون من منافعه ما جنوا، عدنا نحن في أرض العلم ومنبعه بلا مقياس ولا وزن، وأصبحنا ونحن لا نعرف نصف الريال ولا ربعه ولا بكم اشترينا في سوق الخضار ولا بكم اشترينا كيلو اللحم. ثم أفقنا نسأل هل الذهب الذي معنا هو ذهب أم زجاج؟ إنها نكسة حضارية بلا شك. إنه تراجع خطير ليس على المستوى الأخلاقي والديني فقط (وهو تراجع في غاية الخطورة لتوعد الله الذين أضاعوا الميزان بالعذاب في الدنيا والآخرة)، بل هو فوق كل ذلك تراجع خطير في مستوى التفكير والعلم. من المسؤول عن هذه النكسة الحضارية؟ ومن المسؤول عن بقائها؟ وإذا استمرت فإلى أين ستأخذنا معها؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي