رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المواطن عين الدولة

كنت يوم أمس في إحدى إدارات الجوازات، مرت نحو الساعة ومجموعة من المواطنين ينتظرون أدوارهم. وصل شخص وقدم أوراقه، تسلم مسؤول البيانات أوراق المراجع، توجه أخونا المراجع - فوراً - إلى حيث كان أحد أبناء عمومته، وكان برتبة عريف، تخافتا قليلاً، وكان ابن العم عند الثقة، لدرجة أنه ترك مكان عمله ومراجعيه، وتوجه إلى حيث تطبع الجوازات وتابع عملية تقديم ترتيب أوراق قريبه تحت نظر الجميع. أنهى الطباعة، ثم توجه إلى الضابط الذي يقع مكتبه في المكان نفسه ليوقع الجوازات ويتبادل معه التحايا دون أن يحاسبه أو حتى يلومه أو يعاتبه.
ترك هذا الموظف مكان عمله ليتوسط، وتسبب في تعطيل معاملات أشخاص آخرين، ووقف أمامنا بكل شجاعة وقدم الجواز لابن عمه في تحد صارخ لكل الأعراف المهنية. لم يعترض زملاؤه على سلوكه، ولم يعترض رئيسه كذلك، الأدهى أن أياً منا نحن المتضررين لم يقل شيئاً، خوفاً من العاقبة. ولا بد أن الكاميرات المنتشرة في الصالة وثقت الحادثة.
انتشار هذا السلوك بشكل صارخ في المجتمع، أوجد ما يمكن أن يعرف بـ ''وجهاء الغفلة''، وهم الذين يملكون صلات وعلاقات في كل الدوائر الحكومية، وأتصور أن هذا منهم رغم رتبته الصغيرة، إلا أنه يقدم خدماته دون أن يعترض أحد لأنهم يحتاجون إليه. وجاهة واحترام هؤلاء الطفيليين أحد أسباب استمرار الفساد وانتشاره وتجذره بين المواطنين. ذلك أن رئيس هذا الموظف يحتاج إليه بالتأكيد في مواقع أخرى، وعلى قول المثل ''يا بخت من نفع واستنفع''.
انتشرت الشكوى من تردي الخدمات الحكومية وسوء سلوك الموظفين. واعترفت الدولة بذلك من خلال إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. يضطر المواطن للتعامل مع البيروقراطية المعقدة، التي يزيدها تعقيداً السلوك غير المهني للموظفين المكلفين بالخدمة. الشعور السائد لدى أغلبية موظفي القطاع العام أنهم يتفضلون على المواطن عندما يؤدون واجباتهم الوظيفية، والنتائج السيئة في مجال الحضور والانصراف، والانشغال طوال وقت الدوام بالمراسلات والإنترنت والهواتف الذكية، يضاف إلى ذلك ضعف الرقابة من الجهات المختصة واستخدام أساليب إدارية عقيمة، جعلت العرف السائد لدى كثير من المسؤولين أن يحصلوا على موافقة الموظفين على طرق تعاملهم، وكأننا نتعامل مع مسؤولين ينتخبهم موظفوهم. كل هذا يدفع بنا نحو هاوية إدارية سحيقة تفقدنا مزيدا من النقاط في ميزان الكفاءة الإدارية والسلوك المهني والنزاهة.
دفع هذا السلوك والأداء المتردي كثيرا من المواطنين نحو البحث عن وسائل لتحصيل حقوقهم باستخدام وسائل أهمها الواسطة التي أصبحت عرفاً وتقليداً ينفذ من خلال أشخاص إلى قلب جميع المنظومات الإدارية. هذا الانتشار المرضي للواسطة والعلاقات الشخصية، حول جميع المعاملات إلى خانة الوساطة، حتى البسيطة والروتينية.
لكنني أعتقد أن زمان الصمت ولى، وما دام المؤتمنون لم يؤدوا الأمانة فلا بد أن يقوم بها أحد، وهذا ما أوجد تغريدة أرسلها أحد مراجعي مكتب العمل في مدينة جدة. أرسل المراجع صور المكتب وكل غرفه وكابينات الخدمة خالية من الموظفين، شاكياً حاله لمن هم في ''تويتر''. شجعه الجميع بل وأنشأنا في ذلك اليوم ''هاشتاق'' سميناه ''دوائر حكومية لا يوجد فيها موظفون''. نال ذلك التجمع كما كبيراً من المتابعة والذكر طوال النهار، بل استمر المراجعون في إرسال تلك الصور التي تشهد بخلو المكاتب من الموظفين خلال فترات اليوم.
أعتقد أن هذا يمكن أن يكون وسماً ''هاشتاق'' يومياً، يسهم من خلاله المراجعون في تكوين حالة من الرفض الجماعي للسلوكيات السيئة المنتشرة في دوائر الخدمات سواء كانت في القطاع الخاص أو العام. يوفر أسلوب كهذا الفرصة للمسؤول لمتابعة ما يدور وراء ظهره، ويسهم في دعم عمليات الرقابة، إذا كان يرغب في الإصلاح. فعندما يكون لديك ثلاثة ملايين عين تراقب موظفي الجهات التي تخدم المواطن فهذا لعمري أكبر جهاز رقابي يمكن أن يتمناه أي مسؤول مخلص وصادق في عمله.
يمكن أن يكون ''تويتر'' إيجابياً بعد كل الانتقادات التي طالته. هذه التقنية التي تعتمد إيجابيتها من عدمها على كيف نستخدمها ونطوعها لمصلحة الوطن والمواطن. هذه الإيجابية هي ما تجعلني اليوم أرى في هذه التقنية وسيلة مهمة لتحسين الأداء في مختلف القطاعات. فكما أنها تكشف الحضور من الغياب فإنها يمكن أن تكشف عيوباً أخرى تشمل الإساءة للمراجعين أو الموظفين، والسلوكيات التي تشابه تلك التي صدرت بها مقالي، وهي عمليات الواسطة وتجاوز السلطات وتفضيل المراجعين بناء على العلاقات الأسرية أو الشخصية، وعدم احترام قانون تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات.
شاهدت اليوم رسالة من صحيفة ''سبق'' الإلكترونية تدعو لمثل هذا العمل الرقابي، حيث طلبت من القراء إرسال الصور التي تتعلق بعدم المهنية، وتعهدت بنشرها بعد توثيقها. إن المعاملة الحسنة المطلوب ضمانها من قبل كل من يقدم خدماته للمواطن، واحترام الآخرين ومكانهم في الحضور هما الخطوة الأولى نحو تغيير مفاهيم المجتمع، وغرس احترام القانون ومن سن هذا القانون، وهو ما ترمي إلى تقنينه عملية الرقابة الشعبية على الدوائر الخدمية، التي بدأت بتغريدة، وأتمنى أن تستمر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي