أعراض الديربي الانسحابية
أقول لصاحبي الأهلاوي الناعم على غرار الخلايا الناعمة كما يسمي نفسه، هربا من الحياة الرياضية وصخبها: هل سَخُنت جدة أم بعد قبل الديربي الجداوي الآسيوي هذه المرة؟ فيرد بلهجته الطائفية – نسبة إلى الطائف - التي تحمل جرسا خاصة في حرف الجيم: من جدك يا رجل؟ لو خلت الشوارع من ضجيج سيارات جدة، لسمعت نبضات قلوب المترقبين كأنها طرقات نجار يحفر في لوح خشب ثمين.
أقول: وهل أنت منهم يا دكتور أم ابتعادك الاختياري زادك بعدا؟ فيرد وهو يخفي ابتسامته وقد مزج القاف بشيء من الكاف: قسم بالله، إني أولهم، بس عندك لا تفضحنا في الله وخلقه، بكرة ما أقدر أحط عيني في عيون طلابي في الجامعة، ثم يغمز بعينه ويكمل: نحمد الله أن أغلب طلابي في الجامعة أهلاويون، ونحمد الله أننا في إجازة. متجاهلا غمزته الخبيثة، قلت له: يا دكتور، ألا تحدثني عن طقوسك في متابعة المباريات؟. تنهد، مر بسبابته على شاربه يتفقده، رغم أنه قاع صفصف، وانطلق يتحدث وعيني تزداد اتساعا مع كل جملة: قبل مباراة الأهلي والاتحاد بأسبوع يبدأ التوتر، تزداد عصبيتي، تقل ساعات نومي، أفقد الشهية، أدخن بشراهة،
لا أُجيب كثيرا على الاتصالات. البيت يعلن حالة طواريء خاصة أتحول فيها إلى منفي في خيمتي التي نصبتها على سطح المنزل وأبدأ في استقبال الأهلاويين فقط، أدخنة المعسل والجراك تتصاعد من هناك وكأننا في حفلة شواء، أعتذر عن استقبال الأصدقاء الاتحاديين بحجة زيارة والدتي في الطائف. وفي اليوم الموعود لا أشاهد المباراة بل أذهب إلى الطائف فعلا لزيارة والدتي لأنها المخلوق الوحيد الذي أعرفه لا يتحدث عن كرة القدم. بعد نهاية المباراة أعرف النتيجة بالاتصال بولدي أحمد وريث عشقي للأهلي، فإن كانت لنا، فهو يوم سعد لعائلتي وويل وثبور على أصدقائي الاتحاديين، وإن كانت علينا فتلك قصة أخرى لا أنصحك بالاستماع لها، ولا أدعوك لمعايشتها، ولو استطعت حينها أن أبني كما سد مأرب بيني والاتحاديين لفعلت وما تأخرت.
أبو أحمد مثله كثيرون، يترقبون الموقعة، يزدادون توترا باقترابها، ليست مبالغة أنهم يفقدون الشهية للأكل، وتحمر عيونهم، وتخفق قلوبهم، ويشعرون بدوار البحر حين يتذكرون خسائر سابقة أمام بعضهم. هذه عوارض تمتد في كل أركان الكرة الأرضية، يشعر بها أطراف الديربي والكلاسيكو المدريدي والبرشاوي في إسبانيا، الميلاني والإنتراوي في إيطاليا، الأهلاوي والزملكاوي في القاهرة، والنصراوي في الرياض. تمتد أحيانا إلى ما بعد المباراة، وقد تتطور المضاعفات إلى الوفاة كما حدث للمرحوم سالم الشهري في مباراة الاتحاد في الدور الماضي. ما أود قوله، إن من لا يستطيع تحمل تقلبات المباراة غدا، فعليه أن يفعل مثل صديقي الدكتور، يذهب لزيارة أمه، فإن لم يكن له أم فأبيه، فإن لم يكن له أب، فأمه من الرضاعة، فإن لم يكن فليذهب إلى سوق الإبل حيث لا حديث يمر على الكرة، وإن مر بالغلط فستظهر عيون تزدريه وتخرسه.
صديقي الدكتور الجميل الذي يزورني في دبي بين فترة وأخرى، رجل جميل لا تمل مجالسته، مبتلى بحب الكرة كما يقول عن نفسه، يستفزه أي لون أصفر، ولا يمكن وصف ابتسامته وهو يستعيد ذكريات انتصارات الأهلي العريضة على الاتحاد. استفزه قائلا: هذا زمن ولَّى، فيرفع سبابته في وجهي ويرد: قسم ما كانوا يأكلون معنا عيش، بس إيش نقول الدنيا دوارة.