رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«أرامكو» .. نريد تحقيقا من جهة مستقلة

أحسنت شركة أرامكو السعودية عندما فتحت تحقيقاً في قضية الرشوة التي طفت على السطح في قضية شركة ''تايكو'' الأمريكية. أمر لم تفعله شركات مساهمة سعودية. إن احترام حق المعرفة أكثر إلزاماً في حالة الشركات المساهمة سواء كانت أغلبية أسهمها للدولة أو لا. المساهم صاحب حق أصيل في الشركة ومن حقه أن يعلم ماذا حدث؟ ومتى حدث؟ و كيف حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن المخطئ؟ وماذا ستفعل الشركة حياله؟
استخفاف الشركات بالمساهم ومصادرة حقوقه وأهمها معرفة ما يحدث في الشركة مالياً وإدارياً قضية كبرى. المشكلة في الشركات التي تملك الحكومة غالبية أسهمها أعمق وأخطر، ذلك أن الشفافية، والحق في انتخاب رئيس وأعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، وحق المساءلة، مصادرة تماماً. ففي أي عالم تعيش هذه الشركات؟!
الاعتقاد السائد أن نسبة تملك الدولة تسمح بأن يمارس موظفوها أدوار التخطيط والسيطرة على مستقبل الشركات أمر في حاجة إلى دراسة فعلية. أبني كلامي على عدد من النقاط المهمة:
أولى هذه النقاط هي المصلحة المادية، فالموظف الذي يشغل رئاسة أو عضوية مجلس الإدارة قد لا يملك سهما واحدا في الشركة، فسواء نجحت أم فشلت فهو لن يتأثر مادياً. عضوية المجالس يجب أن تحجز لكبار المساهمين، بغض النظر عن حجم مساهمة الدولة في الشركة. لأن الشخص الذي يضع مستقبله المالي في الشركة أولى بالعضوية ممن لا علاقة له بها سوى المسمى الوظيفي الذي قد يتغير في أي لحظة.
النقطة الأخرى هي أن المساهمين بأموالهم أكثر حساسية وحرصاً على وضع الشركة وكفاءة الأداء فيها، خذ شركة موبايلي وشركة ناس مثالاً على التغييرات الجذرية التي تتم بناء على الوضع المالي للشركة وتفاعلاً فورياً مع حال السوق. لا بد أننا لاحظنا أن هناك الكثير من القرارات التي اتخذت من قبل شركات كبرى هي عبارة عن تجارب لم تكن مبنية على معلومات دقيقة واقتصادية.
كما أن كبار المساهمين عادة هم ممن يعملون في القطاع الخاص وتسيطر عليهم ثقافة القطاع الخاص التي يفتقدها أغلب إن لم يكن كل موظفي القطاع العام في كل دول العالم. هذه الميزة النوعية تجعلهم أقرب من الشركة ومستعدين للمشاركة في إجراءات حل المشاكل من خلال قدرتهم ومعرفتهم وعلاقاتهم المالية المحلية والدولية.
النقطة الأهم هنا هي أن أعضاء مجالس الإدارات الذين يمثلون الدولة هم في الواقع من كبار المسؤولين الذين يشغلون وظائف تتطلب التواجد المستمر في العمل الحكومي، والالتزام التام بأعمال وزاراتهم أو مؤسساتهم، وهو ما يؤثر حتى في مواعيد اجتماعات مجالس الإدارة أو حتى دورها في إدارة هذه الشركات العملاقة.
إذاً يمكن أن تبقي الدولة على حصة الأغلبية كاستثمار في الشركات الوطنية، لكن سيطرتها على مجالس الإدارات والقرارات المصيرية لن تساهم في تطور الشركات أو توسعها أو رفع نسبة ربحيتها.
هذا ما جعلني أكبر لـ ''أرامكو'' غيرتها وحسها الاقتصادي والأخلاقي عندما شكلت لجنة وتابعت قضية ''تايكو'' واستمرت في تنوير المواطنين عن المستجدات. هذا أمر لم نتعود عليه ـــ مع الأسف ـــ من شركاتنا والجميع يذكر قضية ''سابك'' التي خسرت فيها ما يقارب عشرة مليارات ريال بسبب التباطؤ وعدم المهنية وسوء الأداء حتى من المحامين الذين تولوا القضية نيابة عن الشركة. كما أن هناك الكثير من القضايا العالقة التي تواجهها شركات ومؤسسات الحكومية، ويتكتم عليها المسؤولون، والخوف من أن تكون هناك قضايا وخسائر لا تظهرها تقارير الشركات وميزانياتها وتقارير مراجعي حساباتها، ولنتذكر قضايا وورلد كوم وإنرون وغيرها.
تلك القضايا حدثت في نظام رأسمالي دقيق وحساس جداً تسيطر عليه جهات رقابية وضريبية ومصرفية لا يمكن أن يمر من خلالها إلا عمليات إجرامية احترافية كبيرة. فكيف بنظامنا الذي لا يوجد فيه أي وسائل سيطرة لا من قبل مصلحة الزكاة أو الوزارات أو المؤسسات المسؤولة عن الاستثمار، وترفض أغلبها الانصياع لتوجيهات أو الرد على ملاحظات ديوان المراقبة العامة. بل ويهزأ فيه الكثيرون بدور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
أعود لقرار شركة أرامكو السعودية والذي أعتبره ناقصاً. فبرغم أن الشركة حكومية بالكامل ولسنا مساهمين فيها إلا بحكم المواطنة، إلا أن أي مشكلة قي هذه الشركة تؤثر في السعودية، ولا بد أن نستوعب ذلك. نعم فبرغم كل الأدبيات والكلام والأخذ والعطاء و''الحكي'' الذي شبعنا منه، إلا أن أرامكو السعودية هي المصدر الحقيقي لدخل الدولة فهي تمثل أكثر من 93 في المائة من ميزانيتها. هذا يعني أن أي خلل يصيب هذا العملاق الوطني سيؤثر ـــ دون شك ـــ على كل مواطن ومواطنة.
بناء على كل هذا أطالب شركة أرامكو السعودية بتحقيق محايد ومستقل من قبل جهة اعتبارية عالمية مشهود لها بالنزاهة تموله الشركة. تحقيق يكشف كل الحقائق للمواطن ويوضح كل الجرائم والتجاوزات التي لم تكن لتحدث لو أن هناك مراقبة حقيقية. كون الشركة تتهم موظفا سابقا بهذه الرشوة لن يريح المواطن لأنه لم يصدر أي بيان من الشركة في عام 2009 يوضح ما حدث. كما أن التصريح بكشف الرشوة سابقاً، وفصل الموظف غير كامل إذا لم تبين الشركة لنا كيف استعادت حقوقها من المرتشي، كما أن كشف هذه المعلومة بعد نحو الشهر من ظهور القضية على وسائل الإعلام ''مريب''. من المفيد أيضاً أن تعطينا الشركة معلومات عما حدث في شبكتها ومستجدات التحقيق في تلك الجريمة أيضاً بدل أن ننتظر الأجوبة من مصادر أخرى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي