أخطاء بدائية في تقرير مجموعة سيتي المالية

ارتكب معدو تقرير سيتي المالية الصادر في الرابع من أيلول (سبتمبر) 2011 عن قطاع البتروكيماويات في المملكة العديد من الأخطاء، التي بعضها كان بدائياً. ومن هذه الأخطاء المبالغة كثيراً في حجم الإيرادات المفقودة نتيجة لتزويد قطاع الكهرباء بالنفط، حيث بالغوا كثيراً في تقدير حجم النفط المخصص لقطاع الكهرباء. وورد في الشكل 53 من التقرير الذي يتحدث عن الإيرادات المفقودة نتيجةً للدعم الضمني المقدم لقطاع الكهرباء أن هذا القطاع يستهلك 48 في المائة من الاستهلاك المحلي من النفط ومنتجاته في عام 2011. وهذه النسبة تعني أن قطاع الكهرباء يستهلك في اليوم نحو 1,4 مليون برميل يوميا وذلك حسب بيانات الاستهلاك المحلي الواردة في التقرير نفسه. وهذا الحجم من الاستهلاك مبالغ فيه بشدة، ويثبت أن معدي التقرير ليست لديهم خلفية ولا دراية باحتياجات قطاع الكهرباء من الوقود أو العلاقة بين الوقود وإنتاج الكهرباء، وهم الذين نصبوا أنفسهم محللين لهذه العلاقة. فحجم النفط الذي يستهلكه قطاع الكهرباء، حسب التقرير يفيض عن احتياجات قطاع الكهرباء من الوقود في الوقت الحالي، بل يكفي لتوليد طاقة إضافية تصل إلى 30 في المائة من الطاقة المولدة حالياً. ومن المعروف أن قطاع الكهرباء في المملكة يستهلك أيضاً كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، لكن الحاجة إلى استخدام الغاز الطبيعي في قطاع البتروكيماويات قادت إلى عدم كفاية موارد الغاز الطبيعي لجميع احتياجات قطاع الكهرباء وتحلية المياه من الغاز. ويستهلك قطاع الكهرباء الغاز الطبيعي لإنتاج 52 في المائة من الطاقة المولدة في هذا القطاع حسب التقرير.
وتصل استخدامات قطاع الكهرباء وتحلية المياه في الوقت الحالي من النفط ومنتجاته وحسب المصادر الموثقة أقل بكثير من الكميات الواردة في التقرير. وتشير البيانات المحلية إلى أن قطاع الكهرباء وتحلية المياه يستهلك نحو ثلاثة أرباع مليون برميل يومياً في أشهر الصيف، لكن هذه الكمية تتراجع في الأشهر المعتدلة. ويبلغ المعدل السنوي حسب آخر بيانات متوافرة نحو نصف مليون برميل يوميا أو 17 في المائة فقط من الاستهلاك المحلي من النفط وسوائل الغاز. وعموماً يبدو أن معدي التقرير خلطوا بين نسبة النفط من إجمالي الوقود المستخدم في توليد الكهرباء، ونسبة النفط الذي يستهلكه قطاع الكهرباء من إجمالي إنتاج المملكة من النفط، وهذه إحدى الهفوات الرئيسة الواردة في التقرير.
وبناءً على فرضيات التقرير، فإن الفاقد من دعم قطاع الكهرباء بالنفط الرخيص أدى إلى خسارة تقدر بنحو 51 مليار دولار من إيرادات النفط كما ورد في التقرير، أو ما يعادل 191 مليار ريال. وهذا الرقم المهول يعني أن تكاليف النفط اللازم لإنتاج كيلووات واحد من الكهرباء في المملكة تصل إلى نحو 87 هللة. وفي حالة إصلاح أسعار الكهرباء فإن هذا يتطلب رفع الأسعار إلى مستويات عالية جداً وغير معقولة. والحقيقة أن قطاع إنتاج الكهرباء وتحلية المياه يستهلك نحو نصف مليون برميل يوميا، أي نحو ثلث الكمية الواردة في التقرير، وبهذا ينخفض دعم الوقود الضمني المقدم لهذين القطاعين إلى نحو 18,6 مليار دولار أو نحو 70 مليار ريال (حسب أسعار النفط الحالية). وهذا الدعم لا يذهب لإنتاج الكهرباء فقط إنما يعود جزء كبير منه لإنتاج مياه التحلية التي هي منتج آخر غير الكهرباء. ولا تتوافر بيانات عن حجم استهلاك قطاع الكهرباء من النفط، لكن لو افترضنا أنه يستهلك نصف الكميات المخصصة لقطاعي الكهرباء وتحلية المياه، فإن قيمة الدعم المقدم لهذا القطاع على شكل نفط مخفض وصلت إلى نحو 35 مليار ريال في عام 2011. وهذا يعني أن تكلفة النفط الداخلة في إنتاج الكهرباء لا تقل عن 16 هللة للكيلووات. ويستهلك قطاع الكهرباء، إضافة إلى النفط الغاز الطبيعي، الذي لا يقل حجمه عن حجم النفط المستخدم، بل قد يزيد قليلاً على نصف مليون برميل من النفط المكافئ يومياً.
وبالغ التقرير في توقعاته بشأن ارتفاع إنتاج المملكة المستقبلي من إنتاج الغاز الطبيعي، حيث توقع أن يتضاعف نحو 4,3 مرة في عام 2035، وطبعاً لم يكن هذا التفاؤل من أجل تحسين صورة المملكة، لكنه أتى من أجل وضع تقديرات متضخمة لمستويات الدعم الضمني المقدم كغاز منخفض السعر لقطاع الكهرباء. ولو تمكنت المملكة من مضاعفة إنتاجها إلى المستوى الذي ورد في التقرير فستستطيع تغطية احتياجات قطاع الكهرباء المستقبلية بكل يسر وسهولة، بل إضافة المزيد من الصناعات البتروكيماوية. وورد في الشكل 53 من التقرير أن 52 في المائة من استهلاك المملكة النفطي يذهب للصناعة. وأعتقد أن هناك قصورا واضحا من قبل كاتبي التقرير في تقدير استهلاك القطاعات الاقتصادية من النفط، حيث يستهلك قطاع النقل أكبر جزء من المنتجات النفطية يمثل نحو نصف استهلاك المملكة من النفط ومنتجاته، بينما يذهب الجزء الأكبر من سوائل الغاز والغاز الطبيعي للصناعات البتروكيماوية الكيماوية. ويستهلك قطاع الكهرباء وتحلية المياه وباقي القطاعات الاقتصادية الجزء المتبقي من النفط الخام ومنتجاته والغاز الطبيعي.
إنه من المؤسف أن تتسابق وسائل الإعلام إلى الحديث واقتباس التقارير التي تنشرها المصارف العالمية والمحلية، مع أن الكثير من هذه التقارير تحتوي على معلومات غير دقيقة، وتعاني أخطاء بدائية، وقد تكون صيغت بأساليب ملتوية للتأثير في المستثمرين وصناع القرار العالميين بطريقة سلبية. ولهذا فإن على مستخدمي هذه التقارير عدم التسليم بدقتها وإخضاعها للتمحيص لتجنب اتخاذ قرارات خاطئة، خصوصاً عند صنع السياسات العامة وفي مجال الاستثمار.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي