يا منظمة العمل: العدالة تقتضي فرض الضريبة على العمال الأجانب
في خبر نقلته ''الاقتصادية'' على لسان مظفر خان - كبير الخبراء الدوليين في منظمة العمل الدولية لشؤون الهجرة - مفاده أن فرض ضرائب على العمال الأجانب هو ''تمييز'' ترفضه قوانين العمل الدولية، على أساس أنه ينبغي أن تتوافر للعمال الأجانب في أي بلد الحماية نفسها التي يتم توفيرها للعمال الوطنيين. لا أعرف لماذا اعتبر كبير الخبراء أن فرض الضريبة (وهي مجرد وسيلة وليست مبدأ) ستخل بمبدأي الحماية والمعاملة بالمثل. ثم لماذا يريد أن يظهر لنا أن هذين المبدأين هما جوهر قوانين منظمة العمل الدولية، بينما لم يتطرق إلى العدالة الاجتماعية والعمل اللائق، ولم يتطرق إلى العدالة في الفرص والمنافسة العادلة والشريفة ومستويات الأجور وساعات العمل والإجازات. فإذا كان كبير الخبراء لا يعرف عن سوق العمل السعودية سوى أنها سوق بلا ضرائب على الأجانب، خاصة من بني جلدته، فإنه يجب أن يعرف أيضا أنها سوق تفتقد الكثير من العدالة في مستويات الأجور وساعات العمل والمنافسة غير العادلة، ما يخل بالكثير من مبادئ ومعايير منظمة العمل الدولية، فلماذا تجاهلها جميعا وركز على قضية الضرائب، التي يهدف مجلس الشورى من خلالها إلى العودة بالسوق إلى مستويات من العدالة الحقيقية والشاملة؟
لكن قبل أن أشرح وجهة نظري في ذلك فإنني أحيل القارئ الكريم إلى تحذير من الأمانة العامة لدول مجلس التعاون مفاده أن العمالة الأجنبية تهدد توظيف الخليجيين، وقد أوردته ''الاقتصادية'' في العدد (6032) بتاريخ (17 أبريل 2010)، كما أن دراسات متخصصة عدة أثبتت أن حجم الاقتصاد الخفي في السعودية، يقدر بنحو 17 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، وذلك بالأسعار الجارية عام 2009، وإلى دراسة لمصلحة الإحصاءات العامة تشير إلى أن عدد الموظفين السعوديين في القطاع الخاص بلغ فقط 20 في المائة والباقي أجانب، وتركز وجود الأجانب في تجارة التجزئة. ومن مجموع 500 ألف عامل ''لا يقرأ ولا يكتب'' هناك 350 ألف عامل أجنبي ''70 في المائة''، ومن بين مليون عامل بلا شهادات دراسية (حتى الابتدائية) 88 في المائة منهم أجانب، ومن بين 500 ألف عامل لديه الابتدائية هناك 70 في المائة أجانب، كما أطلب من مظفر خان ومن جميع القراء كتابة كلمتي العمالة الأجنبية والبطالة في محرك البحث ''قوقل'' ليقودهم فورا إلى آلاف المقالات عن المملكة العربية السعودية وآلاف مثلها من التحليلات الاقتصادية والتقارير الجادة التي تثبت خطر بقاء الوضع على ما هو عليه.
لا أعرف إذا كان مظفر خان قد قام بزيارة حرة إلى تجمعات العمالة الأجنبية في مدن المملكة ليرى بنفسه العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها، ويحذر بأن الضريبة ستخل بها، وليرى المساواة والتنافسية ومبادئ منظمة العمل الدولية فيها وطريقة تطبيقها. ولا أعرف إذا كان كبير الخبراء قد حاول أن يبدأ العمل مع أحد العمال الأجانب في قطاع التجزئة ومنذ ساعات الصباح الأولى حتى ساعات الفجر الأولى هكذا بلا انقطاع طوال أيام الأسبوع، ليرى بنفسه مبادئ العمل اللائق التي تدعو إليها منظمة العمل الدولية التي ينتمي إليها. وأعتقد أنه عندما يرى بنفسه كل هذا ومدى معاناة الشعب السعودي من سلوكيات العمالة الأجنبية وضغطهم الهائل على الطرق والخدمات بكل أنواعها وتسببهم بشكل أو بآخر في رفع مستويات الطلب على السلع والمساكن الرخيصة، ومن ثم رفع الأسعار على المواطن الذي لم يعد يجد عملا في بلده، سيتفهم أن ضريبة الدخل التي تدرس في مجلس الشورى ليست سوى وسيلة ليست لتحقيق مبادئ مؤسسة العمل فقط ومنها تحقيق مبادئ العمل اللائق والمساواة في الأجر وساعات العمل، بل هي وسيلة أيضا لتطبيق مبادئ حقوق الإنسان بشكل واسع.
المشكلة دائما ليست في الجانب السعودي. ليست أبدا في هذا الشعب الكريم المضياف ولا في حكومته السخية، بل هي في استغلاله واستغلال ثرواته بطريقة غير مشروعة. إن المجتمع السعودي يقر بحاجته إلى العمالة الأجنبية لتغطية النمو الاقتصادي الذي يسعى إليه، ويقر بمبدأ الشراكة العادلة وأن العمال الأجانب شركاء في التنمية، بل إن الشعب السعودي بما أودعه الله من أمانة وخدمة الحرمين الشريفين يعترف بحق الأجنبي في دخول هذه البلاد والتمتع بخيراتها، لكنه أيضا يريد ذلك من بابه وليس من نوافذه.
عندما نطالب بفرض ضريبة على العمال الأجانب فليس المعنى أن تكون ضريبة بلا عدالة ولا مساواة، بل هي في حقيقتها كذلك. فنحن اليوم نطالب بالمساواة في الرواتب بين العمال (أجنبي وسعودي)، ونطالب كذلك بالمساواة في ساعات العمل على كل ما قد يترتب على ذلك من ارتفاع في الأسعار ودور في عوامل التضخم، نطالب بأن يحظى العامل الأجنبي بقدر واسع من الحرية في التنقل وفي تغيير العمل ونناقش بجدية قضايا الكفالة وهناك من يطالب بإلغائها وتحرير السوق، كل هذا هدفه الوصول إلى سوق عادلة وحماية حقوق العمال بكل أشكالهم وجنسياتهم.
لكن تلك المطالبة وتلك الحقوق التي نريد أن يتمتع بها العمال تفرض علينا واجبا مهما نحو المواطن السعودي أولا وهو الذي يواجه منافسة شرسة للغاية من قبل هؤلاء العمال وفي جميع القطاعات وفي جميع المستويات، ومن حق حكومة المملكة العربية السعودية وهي تواجه مستويات غير جيدة من البطالة أن تمنع دخول الأجانب لوظائف معينة، كما من حقها أن تقنن العمل فيها بطريقة تجبر رجال الأعمال (سعوديين وأجانب) على خيار الموظف السعودي، ومن أهم تلك الوسائل فرض ضرائب الدخل المباشرة على العمال الأجانب (وذلك بعد تسوية مستويات الأجور الحالية طبعا). كما أن من حق الحكومة أن تعفي من الضرائب تلك القطاعات التي لم تزل المملكة في حاجة إلى عمالة ماهرة فيها، وكل هذا هدفه الوصول إلى سوق أكثر كفاءة وفاعلية وعدالة.
لعل مشكلة كبير خبراء منظمة العمل وعدد ممن يؤيده هي في كلمة الضريبة وما تحمله من معاني القهر وأخذ الأموال، لكنها ليست كذلك إذا تم استخدامها بطريقة مقننة، الهدف منها توجيه السوق نحو الأفضل. فمن المؤلم أن تتحول المملكة إلى أكبر سوق لتدريب العمالة السيئة والهاربة والمتخلفة، ومن المؤلم أن تشاهد حتى المعوقين الأجانب وقد وجدوا فرصا للعمل في المملكة التي أصبحت محطة انتقال للعامل المتقدم، بعدما يجتاز العامل كل تجارب الخطأ في الإنسان السعودي وممتلكاته. نريد أن تتحول سوق المملكة إلى سوق جاذبة للعمالة الماهرة وليس مجرد سور قصير لقفز العمال نحو العالم المتحضر.